أخبارالمدن الذكيةالاقتصاد الأخضر

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل.. كيف نُعد الكفاءات لوظائف المستقبل؟

من الفصول إلى المصانع ومراكز البيانات.. كيف نبني قوة عاملة جاهزة لوظائف المستقبل؟

أصبح إعداد القوى العاملة للمستقبل أولوية استراتيجية مع تسارع تطور التكنولوجيا وتغير احتياجات سوق العمل، خصوصًا مع انتشار الذكاء الاصطناعي، ونمو قطاعات التصنيع المتقدم وأشباه الموصلات والبنية التحتية للطاقة ومراكز البيانات.

ولا يتعلق التحدي فقط بمساعدة العاملين على مواكبة التغيرات المتسارعة، وإنما بتزويدهم بالثقة والخبرة والمهارات التي تمكنهم من المشاركة في الفرص الجديدة التي تخلقها هذه التحولات.

فالعمل لا يوفر الدخل فقط، بل يبني الثقة، ويوسع فرص المشاركة الاقتصادية، ويعزز قدرة المجتمعات على التكيف مع تغير الصناعات والتكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي يغيّر شكل الوظائف

يتزايد استخدام العاملين للذكاء الاصطناعي في حياتهم المهنية اليومية، إلا أن كثيرين يشعرون في الوقت نفسه بأنهم أقل ثقة في قدرتهم على استخدام هذه التكنولوجيا بكفاءة.

ويمثل سد هذه الفجوة إحدى الفرص الرئيسية أمام أصحاب الأعمال، إذ يمكن للشركات مساعدة العاملين على استخدام التكنولوجيا الجديدة بثقة، بالتوازي مع تطوير القدرات المحددة التي تحتاج إليها الصناعات سريعة النمو.

وتشير هذه التحولات إلى أن مفهوم الاستعداد لسوق العمل لم يعد يقتصر على اكتساب مهارات عامة، بل أصبح مرتبطًا بفهم كيفية تغير الوظائف، وما المهارات المطلوبة للانتقال إلى الأدوار الجديدة.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل

الطلب على العمالة يفتح فرصة لإعادة بناء المهارات

تُظهر أحدث نتائج مسح توقعات التوظيف العالمي الصادر عن ManpowerGroup أن أصحاب الأعمال لا يزالون يركزون على النمو.

وبالنسبة للربع الرابع من عام 2026، يتوقع 43% من أصحاب الأعمال زيادة أعداد العاملين، كما تحسنت نوايا التوظيف مقارنة بالربع السابق والفترة نفسها من العام الماضي.

وتشير النتائج أيضًا إلى زيادة توجه أصحاب الأعمال في مختلف القطاعات نحو توظيف العاملين في الوظائف المبتدئة مقارنة بعام 2025.

ومع ذلك، لا تزال الشركات تواجه نقصًا في المرشحين المؤهلين وفجوات بين الخبرات التي يمتلكها المتقدمون ومتطلبات الوظائف.

وبالنسبة إلى الشركات التي تقلل من توظيف العاملين في الوظائف المبتدئة، يأتي الاحتياج إلى مرشحين ذوي خبرة قادرين على تقديم مساهمة فورية في مقدمة أسباب التراجع، قبل الأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.

وتكشف هذه النتائج عن فرصة مزدوجة؛ فالشركات تحتاج إلى المواهب والمهارات، بينما يحتاج الأفراد إلى وظائف تتيح لهم التعلم والتطور المستمر.

ومن ثم، فإن ربط التعليم والتدريب بالتوظيف بصورة مباشرة يمكن أن يمنح الأفراد خبرة عملية مرتبطة باحتياجات السوق، وفي الوقت نفسه يساعد الصناعات على بناء القدرات التي تحتاج إليها.

التدريب يصبح أكثر قيمة عندما يقود إلى وظيفة

تبدأ عملية تطوير المهارات الفعالة من احتياجات حقيقية في سوق العمل.

ففي قطاع التصنيع المتقدم، يعني ذلك إعداد العاملين للتعامل مع الروبوتات والأتمتة مع تغير بيئات الإنتاج.

أما نمو صناعة أشباه الموصلات، فيحتاج إلى كوادر فنية في مجالات التصنيع والهندسة والخدمات الميدانية والبرمجيات والعمليات، بينما تؤدي البنية التحتية للطاقة ومراكز البيانات إلى خلق طلب على مهارات متخصصة جديدة.

ووفقًا لتقرير ManpowerGroup Global Manufacturing Outlook، يواجه 72% من المصنعين الصناعيين صعوبة في العثور على العمالة الماهرة مع إعادة الروبوتات والتصنيع الذكي تشكيل احتياجات القوى العاملة.

وفي الوقت نفسه، يشعر 45% من العاملين في قطاع التصنيع بالقلق من احتمال أن تحل تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة محل وظائفهم خلال عامين.

وتوضح هذه الأرقام أهمية الانتقال من التدريب العام إلى برامج مرتبطة مباشرة بالوظائف والمهارات المطلوبة، بحيث يعرف العامل أو الطالب تحديدًا كيف يمكن للمهارة التي يكتسبها أن تقوده إلى فرصة مهنية حقيقية.

بناء الثقة والمهارات معًا

يحتاج العاملون إلى فهم واضح لكيفية تغير أدوارهم، والمهارات الجديدة التي يمكن أن تعزز قدرتهم على الحصول على الوظائف والاستمرار فيها.

ويمكن لأصحاب الأعمال المساهمة في ذلك من خلال مشاركة المعلومات حول اتجاهات سوق العمل، وتوفير فرص للتعلم العملي، وتبسيط الطريق بين التدريب والحصول على الوظيفة.

وتقدم مبادرة MyPath التابعة لـManpower نموذجًا لهذا الربط، إذ تستخدم معلومات سوق العمل لتحديد كيفية تغير الوظائف، وتحويل الطلب المتزايد على المهارات إلى برامج تدريب مستهدفة، ومساعدة العاملين على فهم اتجاه الفرص الجديدة.

وقد شارك أكثر من 332 ألف شخص من المتدربين والخريجين في برنامج MyPath حول العالم.

وخلال الربع الثاني من عام 2026، أكمل 40.4% من المشاركين التدريب، بينما ركز 67% من التدريب على المهارات التقنية الصعبة على التخصصات الصناعية.

ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على عدد المتدربين، وإنما في ارتباط التدريب بانتقالات مهنية فعلية.

ومن بين الأمثلة على ذلك خريج في الهندسة الكهربائية استخدم التدريب لتعزيز المهارات المطلوبة للعمل في وظيفة هندسة الاختبار والتحقق لدى شركة Stellantis.

ويعكس هذا النموذج مفهوم الاستعداد للقوى العاملة بصورة عملية؛ إذ أصبح التعلم مرتبطًا بوظيفة محددة، واحتياج فعلي لصاحب عمل، وخطوة مهنية يمكن للعامل الوصول إليها بصورة واقعية.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل

إعداد الشباب يجب أن يبدأ مبكرًا

لا ينبغي أن يبدأ الاستعداد للوظائف الجديدة بعد دخول سوق العمل فقط، إذ يحتاج الشباب إلى معرفة المجالات التي تظهر فيها فرص جديدة، وطبيعة هذه الوظائف، والمهارات اللازمة للوصول إليها.

ويستهدف برنامج SmartStart التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي إعداد مليون شاب للوظائف المستقبلية في قطاعي التصنيع وسلاسل الإمداد بحلول عام 2035.

ويجمع البرنامج بين قطاعات الصناعة والتعليم وشركاء القوى العاملة من أجل تطوير مهارات عملية مرتبطة بالوظائف التقنية والرقمية ووظائف الاستدامة.

ويربط البرنامج التعلم داخل الفصول الدراسية بالخبرة العملية، والشهادات المعترف بها من قطاع الصناعة، وبرامج الإرشاد والتوجيه، إلى جانب زيادة وضوح المسارات المهنية التقنية أمام الطلاب وأسرهم.

وتتزايد أهمية هذه المسارات مع دخول الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة وتحليل البيانات إلى وظائف التصنيع بصورة أكبر.

وعندما يعرف الطلاب كيفية استخدام هذه التقنيات والمهارات التي يبحث عنها أصحاب الأعمال، يصبح بإمكانهم اتخاذ قرارات أكثر وضوحًا بشأن التعليم والشهادات المهنية، وفهم العلاقة بين هذه الاختيارات والمسار الوظيفي الذي يريدون الوصول إليه.

نمو أشباه الموصلات يحتاج إلى مسارات مواهب متخصصة

تختلف احتياجات القوى العاملة من صناعة إلى أخرى، ولذلك يجب أن يرتبط تطوير المهارات بالوظائف والقدرات المطلوبة في كل قطاع.

وتقدم صناعة أشباه الموصلات نموذجًا واضحًا لهذا النوع من المسارات.

وتعد أشباه الموصلات عنصرًا أساسيًا في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للحوسبة السحابية، كما تدخل في السيارات الكهربائية ومراكز البيانات والمستشفيات والتصنيع المتقدم.

ويعتمد استمرار نمو هذا القطاع على توفير العمالة الماهرة عبر مختلف حلقات سلسلة القيمة.

ومن خلال مبادرات SEMI K-12 وبرامج Junior Achievement، يحصل الطلاب على تعريف مبكر بالوظائف المتاحة في صناعة أشباه الموصلات، ويتعرفون على المهارات التقنية المطلوبة لهذه الوظائف.

ولا يشترط الدخول إلى الصناعة في جميع الحالات الحصول على شهادة جامعية مدتها أربع سنوات، إذ توجد مسارات تعليمية ومهنية متعددة يمكن أن تقود إلى وظائف القطاع.

كما يحتاج العاملون الموجودون بالفعل في سوق العمل إلى فرص للانتقال إلى الوظائف التي تشهد نموًا.

وفي هذا السياق، دعمت مبادرة Quick Start التابعة لشركة Intel لتطوير القوى العاملة في قطاع أشباه الموصلات مئات الأشخاص من خلال التدريب والانتقال المهني ورفع المهارات.

الشراكة بين الشركات والتعليم ضرورة

يعتمد إعداد القوى العاملة المستقبلية على التزام مشترك بين أصحاب الأعمال والمؤسسات التعليمية وشركاء الصناعة والمجتمع ومنظمات القوى العاملة.

فالشركات تحدد القدرات التي تحتاج إليها، بينما تحول المؤسسات التعليمية هذه الاحتياجات إلى برامج تعلم ذات صلة.

وتعمل مؤسسات الصناعة والمجتمع على توسيع نطاق المعرفة بالفرص وإتاحة الوصول إليها، في حين تساعد منظمات القوى العاملة على ربط التدريب بالتوظيف.

وهذا التعاون يصبح أكثر أهمية في القطاعات التي يتطور فيها الطلب على المهارات بوتيرة أسرع من قدرة أنظمة التعليم والتوظيف التقليدية على الاستجابة.

الاستعداد للمستقبل يوسع فرص العمل

أصبح بناء المواهب لا يقل أهمية عن البحث عنها، خصوصًا في الصناعات التي ينمو فيها الطلب بوتيرة أسرع من المسارات التقليدية لإعداد العمالة.

وستختلف آليات الاستعداد لسوق العمل من دولة إلى أخرى ومن صناعة إلى أخرى، لكن العنصر المشترك هو ضرورة أن يتمكن الأفراد من رؤية العلاقة بين المهارات التي يطورونها والوظائف التي يمكن أن تتحول إليها هذه المهارات.

وتتقاسم الشركات والمؤسسات التعليمية مسؤولية جعل هذه العلاقة أكثر وضوحًا، بدعم من الجهات العاملة في تطوير القوى العاملة.

وتوضح تجربة MyPath كيف يمكن إعداد العاملين الموجودين بالفعل في سوق العمل لمسارات مهنية جديدة، بينما يبدأ SmartStart هذه العملية في وقت مبكر، قبل أن يتخذ الشباب قرارات حاسمة بشأن التعليم والعمل.

وتوضح مبادرات قطاع أشباه الموصلات أيضًا كيف يمكن للتعلم المتخصص أن يستجيب مباشرة للاحتياجات الفعلية لصناعة بعينها.

وفي ظل استمرار الابتكار التكنولوجي، يصبح الحفاظ على الإنسان في قلب عملية التحول أمرًا أساسيًا، بالتوازي مع الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.

وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل لا يساعد الأفراد فقط على الوصول إلى فرص مهنية جديدة، بل يمنح الصناعات أيضًا الكفاءات التي تحتاج إليها للنمو في القطاعات التي ستشكل اقتصاد المستقبل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة