الاحتباس الحراري يغير كيمياء أحد أخطر الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي
ليس الانبعاث فقط.. تغير المناخ يقلل عمر غاز أكسيد النيتروز في الجو
لا يقتصر تأثير تغير المناخ على زيادة تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، بل يمتد إلى تعديل الخصائص الكيميائية والفيزيائية لهذه الغازات، بما في ذلك مدة بقائها في الهواء وقدرتها على التأثير في المناخ وطبقة الأوزون.
دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا – إيرفاين (UC Irvine) ، تكشف أن الاحترار العالمي يغيّر الطريقة التي يتفكك بها غاز أكسيد النيتروز (N₂O) في الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تقصير عمره الزمني بوتيرة أسرع مما كانت تفترضه النماذج المناخية السابقة.
وتضيف هذه النتائج مستوى جديدًا من عدم اليقين إلى التوقعات المناخية طويلة الأمد، خاصة في ما يتعلق بالغازات الدفيئة غير ثاني أكسيد الكربون.
لماذا يُعد أكسيد النيتروز غازًا بالغ الخطورة؟
يلعب أكسيد النيتروز دورين شديدي الخطورة في آن واحد:
غاز دفيئة قوي
إذ يُعد ثالث أهم غاز مساهم في الاحترار العالمي طويل الأمد بعد ثاني أكسيد الكربون والميثان، نظرًا لقدراته العالية على احتجاز الحرارة.

غاز مدمر لطبقة الأوزون
فعند تفككه في طبقات الجو العليا، ينتج مركبات نيتروجينية تسرّع من تآكل الأوزون، الذي يحمي الكائنات الحية من الأشعة فوق البنفسجية الضارة.
وبحسب قياسات الغلاف الجوي في عام 2024، بلغ متوسط تركيز أكسيد النيتروز عالميًا نحو 337 جزءًا في المليار، وهو مستوى آخذ في الارتفاع بشكل مطّرد منذ عقود.

ويُعزى معظم هذا الارتفاع إلى الأنشطة البشرية، وعلى رأسها:
– الاستخدام المكثف للأسمدة النيتروجينية في الزراعة
– العمليات الصناعية
حرق الوقود الأحفوري
إضافة إلى مصادر طبيعية مثل نشاط البكتيريا في التربة والمحيطات.
كيف رصد العلماء هذا التغير؟
اعتمد الباحثون على بيانات طويلة الأمد من أداة Microwave Limb Sounder التابعة لوكالة ناسا، والتي راقبت تركيبة الغلاف الجوي بين عامي 2004 و2024.
ومن خلال تحليل هذه البيانات، توصّل الفريق إلى أن:
– العمر الزمني المتوسط لأكسيد النيتروز في الغلاف الجوي يتناقص بنحو 1.4% كل عقد
– العمر الحالي يُقدّر بنحو 117 عامًا، بعد أن كان يُفترض سابقًا أنه شبه ثابت عبر الزمن
وهذا الاكتشاف يُعد تحوّلًا مفاهيميًا، لأن معظم النماذج المناخية افترضت ثبات سرعة تحلل هذا الغاز لعقود طويلة.

تغير المناخ يسرّع رحلة الغاز إلى “منطقة التدمير”
بعد انبعاثه قرب سطح الأرض، يتراكم أكسيد النيتروز في الطبقات السفلى من الغلاف الجوي، ثم ينتقل ببطء عبر التيارات الهوائية إلى الستراتوسفير، وهي الطبقة الممتدة بين 10 و50 كيلومترًا فوق سطح الأرض.
في هذه الطبقة:
– تتحلل نحو 90% من جزيئات أكسيد النيتروز بفعل الأشعة فوق البنفسجية
– بينما يتفاعل الجزء المتبقي مع ذرات الأكسجين المثارة
لكن الاحترار العالمي غيّر هذه المعادلة بعدة طرق متزامنة:
– ارتفاع درجات الحرارة عند السطح
– تبريد طبقات الستراتوسفير
– تعزيز حركة الهواء الصاعد نحو الطبقات العليا
هذه العوامل مجتمعة تُسرّع وصول أكسيد النيتروز إلى المناطق التي يُدمّر فيها بسرعة أكبر.
كيمياء معقدة بين الأوزون والحرارة
يؤدي ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون إلى:
– تدفئة الغلاف الجوي السفلي
– تبريد الغلاف الجوي العلوي (الستراتوسفير)
هذا التبريد:
– يُبطئ بعض التفاعلات الكيميائية
– ويُسرّع تفاعلات أخرى
– ويؤدي إلى زيادة نسبية في تركيز الأوزون
زيادة الأوزون تعني امتصاص كمية أكبر من الأشعة فوق البنفسجية، وهو ما يغير معدل تفكك أكسيد النيتروز.
وفي الوقت نفسه، تؤدي التغيرات في دوران الهواء إلى دفع الغاز أسرع نحو طبقات التفكك، ما يخلق حلقة تغذية راجعة معقدة بين الكيمياء الجوية والديناميكيات المناخية.
ويشرح الباحث كالوم ويلسون ذلك بقوله: “التبريد في الستراتوسفير، إلى جانب تغير أنماط حركة الهواء، يسرّع نقل أكسيد النيتروز إلى المناطق التي يُدمّر فيها، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى توقعات المناخ.”
لماذا تزداد عدم اليقين في التوقعات المناخية؟
تستخدم الهيئات العلمية سيناريوهات مستقبلية لتقدير تركيز الغازات الدفيئة، وتُبنى عليها سياسات خفض الانبعاثات.
لكن الدراسة تُظهر أن: عدم اليقين الناتج عن تغير عمر أكسيد النيتروز، يعادل تقريبًا الفروق بين سيناريوهات الانبعاثات الرئيسية نفسها.
استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى خفض تركيزات مستقبلية دون أي تغيير في الانبعاثات، وهو تأثير يعادل الانتقال من سيناريو انبعاثات مرتفعة إلى سيناريو متوسط
كما وجد الباحثون، أن القدرة الاحترارية العالمية لأكسيد النيتروز قد تنخفض بنحو 11% بحلول نهاية القرن نتيجة هذه التغيرات الكيميائية.
فجوة في نماذج المناخ الحالية
يؤكد العلماء أن معظم نماذج نظم الأرض لا تزال:
– تركّز بشكل مفرط على الانبعاثات
– وتقلل من دور الكيمياء الجوية وديناميكيات الستراتوسفير
ويقول البروفيسور مايكل براذر:“الكيمياء الجوية في الطبقات العليا تمثل مصدر عدم يقين لا يقل أهمية عن اختلاف سيناريوهات الانبعاثات نفسها.”
لماذا تمثل هذه الدراسة نقطة تحول؟
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها:
– تُظهر أن تغير المناخ لا يؤثر فقط في كمية الغازات، بل في سلوكها الكيميائي
– تعيد تعريف دور أكسيد النيتروز كغاز دفيئة ومدمر للأوزون
– تؤكد الحاجة إلى تحديث نماذج المناخ المستخدمة في التقييمات الدولية
فالتغيرات غير المرئية في طبقات الجو العليا قد يكون لها أثر عميق على مستقبل المناخ، حتى قبل أن تتغير الانبعاثات نفسها.
خلاصة
الاحترار العالمي لا يكتفي بتسخين الكوكب، بل يعيد كتابة القواعد الكيميائية التي تحكم الغلاف الجوي، وأكسيد النيتروز مثال واضح على كيف يمكن لتغيرات دقيقة في الحرارة وحركة الهواء أن تعيد تشكيل مستقبل المناخ العالمي.





