حرائق الغابات تزحف إلى جبال أوروبا مع تصاعد موجات الحرارة
بعد 2015.. تسارع غير مسبوق لحرائق الغابات في جبال أوروبا
على مدار العقود القليلة الماضية، كان الافتراض السائد في إدارة حرائق الغابات في أوروبا قائمًا على الجغرافيا: الخطر الحقيقي يتركز في المناطق المنخفضة.
ففي دول مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا، ارتبطت الحرائق بالمناطق الجافة ذات الغطاء النباتي القابل للاشتعال وموجات الجفاف الصيفية.
أما سلاسل الجبال مثل الألب والبيرينيه والكاربات، فكانت تُعد خارج نطاق الخطر، نظرًا لبرودتها ورطوبتها.
لكن سجلًا فضائيًا يمتد لـ25 عامًا يطعن في هذا الافتراض.
فقد تتبع الباحثون حرائق الغابات عبر ثمانية نطاقات جبلية أوروبية، ووجدوا أن النيران تتصاعد نحو المرتفعات بمعدل ثابت، مع تسارع ملحوظ منذ عام 2015.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة “Nature Communications“.
وقاد الفريق البحثي الدكتورة ميريلا بيلوي، عالمة البيئة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، حيث قاموا برصد حرائق الغابات خلال الفترة من 2000 إلى 2025.

وأظهرت النتائج أن الحرائق ترتفع نحو الجبال بمعدل يقارب 72 مترًا لكل عقد، مستفيدة من غطاء نباتي لم يكن يحترق سابقًا.
وبعد عام 2015، ارتفع عدد الحرائق وامتدادها الرأسي بشكل واضح، حيث وصلت إلى مناطق كانت تُعد آمنة تاريخيًا.
واعتمد الباحثون على دمج بيانات الأقمار الصناعية مع سجلات المناخ وبيانات الغطاء الحرجي والنشاط البشري، مثل الطرق والمستوطنات.
وركزت الدراسة على الحرائق التي اندلعت على ارتفاعات تتجاوز 800 متر، والتي أتت على مساحات لا تقل عن 30 هكتارًا، وهي مساحات كافية لرصدها بوضوح عبر الأقمار الصناعية.
وكانت دراسات سابقة في غرب الولايات المتحدة قد رصدت اتجاهًا مشابهًا، حيث تتقدم الحرائق في المرتفعات بمعدل سنوي ملحوظ، ما يشير إلى نمط عالمي.
وعند تحليل المساحات المحترقة سنويًا، برز عام 2015 كنقطة تحول؛ إذ ارتفع نشاط الحرائق بعده بشكل حاد مقارنة بالفترة السابقة.
ففي المناطق التي تقل عن 1400 متر، زادت الحرائق بنحو 30% سنويًا، بينما سجلت المناطق الأعلى زيادة تصل إلى 12%، رغم ندرة الحرائق فيها سابقًا.

ويرجع هذا التغير إلى عدة عوامل، أبرزها جفاف الهواء، الذي يعكس الفجوة بين كمية الرطوبة التي يمكن أن يحملها الهواء وتلك الموجودة فعليًا.
وعندما تتسع هذه الفجوة، تجف النباتات بسرعة أكبر، ما يجعلها أكثر عرضة للاشتعال، خاصة مع انخفاض رطوبة التربة وتراجع هطول الأمطار.
وتشير دراسات أخرى إلى أن الاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية يزيد من حدة الظروف المناخية المسببة للحرائق في أوروبا.
وتؤدي الغابات الجبلية أدوارًا بيئية حيوية؛ إذ تساعد جذورها على تثبيت التربة في المنحدرات، وتقلل من مخاطر الانهيارات الأرضية وتساقط الصخور.
كما تسهم في إبطاء ذوبان الثلوج، ما يغذي الأنهار التي تعتمد عليها المدن والمزارع ومحطات الطاقة الكهرومائية.
ويستغرق تعافي الكربون المخزن في هذه الغابات أكثر من قرن بعد الحرائق الكبرى.
ومع ذلك، فإن الدراسة لها بعض القيود؛ إذ ركزت فقط على الحرائق الكبيرة، ما يعني أن الحرائق الصغيرة في المرتفعات قد لا تكون مشمولة.

كما أن الربط الإحصائي بين المناخ والحرائق لا يستبعد تمامًا تأثير عوامل أخرى، مثل تغير إدارة الغابات.
ورغم أن الدراسة شملت ثمانية نطاقات جبلية، فإن سلوك الحرائق قد يختلف تبعًا لنوع الغابات وطبيعة التضاريس.
وتؤكد النتائج أن الغابات الجبلية في أوروبا لم تعد بمنأى عن حرائق الغابات المرتبطة بتغير المناخ.
فالحرائق تتجه صعودًا نحو المرتفعات، وتزداد سرعتها منذ عام 2015، لتصل إلى مناطق كانت محمية سابقًا ببرودة المناخ ورطوبته.

ويفرض هذا الواقع ضرورة إعادة النظر في استراتيجيات إدارة الحرائق، لتشمل المرتفعات، سواء من حيث الاستجابة السريعة أو إدارة الوقود النباتي أو أنظمة الإنذار المبكر.
كما أن المجتمعات الواقعة في المناطق المنخفضة ستتأثر أيضًا، نظرًا لتراجع الدور الوقائي الذي كانت تؤديه الغابات الجبلية.

