الطحالب الدقيقة في التربة قد تكون سرًا خفيًا لدعم الزراعة العالمية
كائنات مجهرية تحت حقول القمح قد تساعد في حماية مستقبل الغذاء
كشفت دراسة علمية حديثة، أن التربة الزراعية تحتوي على مجتمعات ضخمة من الطحالب الدقيقة التي قد تؤدي دورًا مهمًا في الحفاظ على خصوبة الأراضي الزراعية ودعم إنتاجية المحاصيل، في اكتشاف يسلط الضوء على جانب غير مرئي من النظم البيئية الزراعية.
وأوضحت الدراسة، المنشورة في دورية Frontiers in Microbiology، أن السنتيمتر العلوي من تربة حقول القمح في أوروبا الوسطى يضم مئات الأنواع من الطحالب المجهرية التي لم تكن معروفة أو موثقة بهذا الشكل من قبل.
وقاد الدراسة الباحث توماس فريدل، بالتعاون مع فريق من جامعتي جامعة جوتنجن وجامعة كاسل، حيث قاموا بجمع عينات من حقول قمح عضوية خلال عام 2024 لدراسة التنوع الحيوي للطحالب داخل التربة.
وأشار الباحثون إلى أن الطحالب الأرضية ليست حكرًا على البحيرات والمحيطات، بل تعيش أيضًا فوق الطبقة السطحية من التربة الزراعية، وتستطيع تحمل الجفاف والبرد، كما تقوم بعملية التمثيل الضوئي داخل التربة نفسها.
وتُسهم هذه الطحالب، وفق الدراسة، بنحو 6% من إجمالي التمثيل الضوئي على اليابسة عالميًا، بينما قد تمثل أكثر من ربع الكتلة الميكروبية في بعض الحقول الزراعية.
الطحالب تتغير داخل التربة بشكل كبير بين الفصول
واستخدم الفريق تقنية «الترميز الجيني DNA Metabarcoding» لتحليل الحمض النووي للعينات، بدلًا من الطرق التقليدية المعتمدة على الفحص المجهري، ما أتاح رصد أنواع عديدة لم يكن بالإمكان اكتشافها سابقًا.
وأظهرت النتائج، أن مجتمعات الطحالب داخل التربة تتغير بشكل كبير بين الفصول المختلفة، وهو سلوك غير معتاد مقارنة بمعظم الكائنات الدقيقة الأخرى الموجودة في الأراضي الزراعية.
ففي شهر مارس، هيمنت الطحالب الصفراء-الخضراء على التربة، خاصة مع برودة الطقس ووجود مساحات مكشوفة بين نباتات القمح الصغيرة، بينما تحولت السيطرة في يوليو إلى الطحالب الخضراء المزرقة «السيانوبكتيريا»، التي ارتفعت نسبتها من نحو 10% إلى قرابة ثلاثة أرباع المجتمع الطحلبي خلال أقل من أربعة أشهر.

كما رصد الباحثون وجود الدياتومات، وهي طحالب وحيدة الخلية ترتبط غالبًا بالبحار والبحيرات، لكنها ظهرت أيضًا داخل التربة الزراعية بنسب مرتفعة خلال فصل الربيع.
وأشارت الدراسة إلى أن طرق الزراعة تؤثر بشكل واضح على تنوع الطحالب، إذ أظهرت الحقول التقليدية تنوعًا أكبر لبعض أنواع الطحالب مقارنة بالحقول العضوية، بينما تراجعت السيانوبكتيريا بصورة ملحوظة في الأراضي المعالجة بالأسمدة الكيميائية.
المحصول الزراعي يغير طبيعة مجتمع الطحالب
وتحظى السيانوبكتيريا باهتمام خاص بسبب قدرتها على تثبيت النيتروجين، ما يساعد على تقليل الحاجة إلى الأسمدة الصناعية، وقد استُخدمت بالفعل كأسمدة حيوية طبيعية في بعض مناطق زراعة الأرز في آسيا.
كما أظهرت الدراسة، أن نوع المحصول الزراعي نفسه يغير طبيعة المجتمع الطحلبي داخل التربة، حيث دعمت حقول الذرة نمو الطحالب الخضراء بشكل أكبر، نتيجة اختلاف الإضاءة وكثافة النباتات وخصائص التربة.
وأكد الباحثون أن هذه النتائج تمثل أول خريطة جينية شاملة لطحالب التربة الزراعية في أوروبا الوسطى، مشيرين إلى أن الدراسات المقبلة ستركز على فهم كيفية توظيف هذه الكائنات المجهرية لتحسين استدامة الزراعة وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية.
وقالت الباحثة المشاركة ميريام أثمان إن العلماء والمزارعين لم يكونوا يدركون سابقًا مدى تأثير إدارة المحاصيل على الطحالب الموجودة داخل التربة، مؤكدة أن سد هذه الفجوة المعرفية قد يفتح الباب أمام ممارسات زراعية أكثر كفاءة واستدامة.





