هل تتحول أزمة المناخ في أفريقيا إلى قضية حقوقية؟ محكمة أفريقية أمام اختبار تاريخي
المحكمة الأفريقية تبحث مسؤولية الدول عن أزمة المناخ وحقوق الأجيال القادمة
تشهد القارة الأفريقية تطورًا قانونيًا غير مسبوق مع نظر المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب قضية استشارية تاريخية قد تسهم في تحديد مسؤوليات الحكومات الأفريقية تجاه أزمة المناخ، ومدى ارتباط حماية المناخ بحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
وجاءت الدعوى بطلب من Pan African Lawyers Union وعدد من منظمات المجتمع المدني الأفريقية، التي طالبت المحكمة بإصدار رأي استشاري يوضح الالتزامات القانونية الواقعة على عاتق الدول الأفريقية لحماية شعوبها من آثار التغير المناخي والانتقال التدريجي بعيدًا عن الأنشطة الاقتصادية المسببة للتدهور البيئي.
كما تقدمت الباحثتان زونايدا موسى واديولا وتراسي لين فيلد، التابعتان لـ Mandela Institute، إلى جانب مؤسسات أخرى، بطلب المشاركة في القضية بصفة “أصدقاء المحكمة”، مؤكدتين أن حماية النظام المناخي تمثل التزامًا قانونيًا يقع ضمن واجبات الدول في مجال حقوق الإنسان.
أفريقيا الأقل مساهمة والأكثر تضررًا
رغم أن القارة الأفريقية تُعد الأقل مساهمة تاريخيًا في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المسببة لتغير المناخ، فإنها من أكثر مناطق العالم تعرضًا لآثاره السلبية.
وتواجه دول القارة تحديات متزايدة تتمثل في موجات الجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة وارتفاع مستوى سطح البحر، وهي ظواهر تؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة والأمن الغذائي والمائي والنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
ويحذر الخبراء من أن تغير المناخ يهدد النظم البيئية الطبيعية ويؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وتفاقم معدلات الفقر والأمراض، فضلًا عن زيادة المخاطر المرتبطة بأمن المياه والطاقة وفقدان التراث الطبيعي والثقافي.

تهديد مباشر للتنمية
ويرى معدو المذكرة القانونية المقدمة للمحكمة أن تغير المناخ يمثل أحد أكبر التحديات أمام التنمية في أفريقيا، وقد يؤدي إلى تقويض عقود من التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي حققته دول القارة.
ويؤكد الخبراء أن مفهوم التنمية لا ينبغي أن يقتصر على معدلات النمو الاقتصادي أو الناتج المحلي الإجمالي، بل يشمل أيضًا قدرة المجتمعات على حماية بيئتها ومواردها وثقافتها وتمكين المواطنين من رسم مستقبلهم.
ويستند هذا الطرح إلى African Charter on Human and Peoples’ Rights الذي ينص في المادة 22 على حق الشعوب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي المادة 24 على حقها في بيئة صحية وملائمة لهذه التنمية.
كما تدعم هذا التوجه اتفاقيات أفريقية أخرى، من بينها Maputo Protocol وAlgiers Convention، اللذان يشددان على ضرورة تحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة وعادلة.
ما الذي يُطلب من الحكومات الأفريقية؟
تؤكد المذكرة القانونية أن المناخ الآمن والمستقر شرط أساسي لضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلًا عن الحق في الاستفادة العادلة من الموارد الطبيعية.
وترى أن حقوق التنمية والسلام والأمن لا يمكن تحقيقها في عالم يشهد ارتفاعًا متسارعًا في درجات الحرارة وتفاقمًا للكوارث المناخية.
وتستند المذكرة إلى التوافق العلمي الدولي المتزايد بشأن ضرورة تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، باعتباره أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع الانبعاثات وتفاقم الأزمة المناخية.
كما تدعو الحكومات الأفريقية إلى التعاون فيما بينها واتخاذ قرارات مناخية تستند إلى أفضل الأدلة العلمية المتاحة، بالنظر إلى هشاشة القارة أمام تداعيات التغير المناخي.
ويرى أصحاب المذكرة أن الدول الأفريقية تتحمل واجبًا قانونيًا يتمثل في منع الأضرار الجسيمة التي قد تلحق بالنظام المناخي، واتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة ومتوافقة مع المعطيات العلمية الحديثة.

أهمية الرأي الاستشاري للمحكمة
ورغم أن الآراء الاستشارية الصادرة عن المحكمة الأفريقية ليست ملزمة قانونيًا، فإنها تكتسب أهمية كبيرة في تفسير الالتزامات القائمة بموجب القانون الدولي وتوجيه المحاكم والحكومات بشأن كيفية تطبيقها.
ويشير الخبراء إلى أن الرأي المرتقب قد يؤدي دورًا مشابهًا للرأي الاستشاري التاريخي الذي أصدرته International Court of Justice في يوليو 2025، والذي أكد أن الدول تتحمل التزامات قانونية لحماية النظام المناخي ومنع الأضرار البيئية الجسيمة.
وشاركت عدة دول أفريقية، من بينها مصر وجنوب إفريقيا وكينيا وغانا ومدغشقر والكاميرون وسيراليون ومورشيوس، وبوركينافاسو، في المرافعات المتعلقة بالقضايا المناخية الدولية، ما يعكس تنامي الاهتمام الأفريقي بالعدالة المناخية.
نقطة تحول محتملة للعدالة المناخية
يرى الباحثون، أن الرأي الاستشاري المنتظر من المحكمة الأفريقية قد يشكل نقطة تحول مهمة في فهم العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان والمسؤولية المناخية داخل القارة.
ويأمل معدو المذكرة أن تؤكد المحكمة بوضوح أن حماية المناخ جزء لا يتجزأ من التزامات الحكومات تجاه ضمان الحق في بيئة صحية، والحق في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والحق في الاستفادة العادلة من الموارد الطبيعية، فضلًا عن الحق في السلام والأمن.
كما يتطلعون إلى أن توضح المحكمة أن استمرار الاعتماد على مشاريع الوقود الأحفوري يصبح محل مساءلة قانونية عندما يهدد الحقوق الأساسية للأفراد والمجتمعات، في وقت يتزايد فيه الضغط العالمي للتخلي التدريجي عن مصادر الطاقة المسببة للانبعاثات.





