أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

القارات القديمة مهدت الطريق لظهور الحياة على الأرض

نشأة القارات كانت مفتاح توازن كيمياء الحياة المبكرة

تبدأ القصة التقليدية لنشأة الحياة في المحيط، حول الفتحات البركانية، حيث قد تكون الحرارة والمعادن والكيمياء المناسبة قد ساعدت في ظهور أولى الأنظمة الحية.

لكن هناك مشكلة في هذه الرواية؛ إذ احتوى المحيط أيضًا على عنصر أساسي بتركيزات مرتفعة بما يكفي لتكون سامة.

إن خفض هذا المستوى والحفاظ عليه ضمن نطاق مناسب تطلّب عاملًا آخر تمامًا.

يقع عنصر كيميائي يُسمى البورون في قلب هذه القصة. فالحياة تحتاج إليه بشدة، ولكن ضمن نطاق تركيز ضيق للغاية.

فزيادة البورون تؤدي إلى تسمم الخلايا، بينما يؤدي نقصه إلى منع التفاعلات الكيميائية الضرورية للحياة المبكرة.

يشغل الدكتور بريندان دايك منصب أستاذ مشارك في علوم الأرض والبيئة بجامعة كولومبيا البريطانية (حرم أوكاناجان)، وقد أمضى سنوات في تتبع تأثير باطن الأرض على الحياة على السطح.

ويقع ماء البحر الحديث ضمن هذا النطاق الكيميائي المناسب، بينما لم يكن ماء البحار القديمة – قبل ظهور اليابسة – كذلك على الأرجح.

لكن لماذا يُعد البورون مهمًا في أصل الحياة؟ الإجابة تكمن في الريبوز، وهو السكر الذي يُشكّل العمود الفقري للحمض النووي الريبي (RNA)، لكنه شديد الهشاشة بمفرده.

تُظهر التجارب المعملية أن الريبوز يتحلل في الماء خلال ساعات، وغالبًا قبل أن يدخل في تكوين مركبات أكثر تعقيدًا، ما يمثل تحديًا لنظرية “عالم RNA”.

ويرتبط البورات (البورون مع الأكسجين) بالريبوز، ما يساعد على تثبيته. ويُعد هذا التفسير الأكثر قبولًا لحل مشكلة استقرار الريبوز.

كيف أنقذت الصخور الجرانيتية الحياة الأولى من “سمّية المحيطات”
كيف أنقذت الصخور الجرانيتية الحياة الأولى من “سمّية المحيطات

قبل نحو 3.7 مليار سنة، كانت الأرض مغطاة بالمحيطات تقريبًا، وكان قاعها يتكون أساسًا من صخور البازلت، التي تطلق البورون في الماء بدلًا من تخزينه.

وقد قدّر الباحثون أن تركيز البورون في تلك الفترة كان مرتفعًا إلى حد السُمية، ما جعل البيئة غير ملائمة لنشأة الحياة، إذ كانت الجزيئات الحساسة تتحلل بسرعة أكبر من قدرتها على التكوّن.

تغير هذا الوضع مع ظهور أولى الكتل القارية، المكوّنة من صخور غنية بالجرانيت، وهي أخف وأكثر تعقيدًا كيميائيًا من البازلت.

يتآكل الجرانيت ببطء، ما يؤدي إلى إطلاق تدريجي للبورون بدلًا من تدفقه بكميات كبيرة، وهو ما ساعد على ضبط تركيزه في المياه.

ومع انتشار القارات، بدأت مستويات البورون تقترب من النطاق المثالي: منخفضة بما يكفي لتجنب السمية، ومرتفعة بما يسمح بوظائفه الحيوية.

ويكمن السر في معدن يُسمى التورمالين، وهو المسؤول الرئيسي عن تخزين البورون على المدى الطويل داخل القشرة القارية.

هل كانت القارات شرطًا أساسيًا لظهور الحياة على الأرض؟
هل كانت القارات شرطًا أساسيًا لظهور الحياة على الأرض؟

يتكوّن التورمالين بسهولة داخل الصخور الجرانيتية، ويحتفظ بالبورون لمئات الملايين من السنين، وبدون هذا التخزين، ما كان بالإمكان الحفاظ على التوازن الكيميائي اللازم للحياة.

وقد اكتشف الباحثون أن التورمالين يحتاج إلى سطح لينمو عليه، وهو ما توفره معادن الميكا ذات البنية الصفائحية، في عملية تُعرف باسم “التبلور فوقي”.

ويُعيد هذا الاكتشاف تاريخ استقرار البورون إلى ما لا يقل عن 3.7 مليار سنة.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الأرض؛ إذ تشير الدراسات إلى أن المريخ يحتوي على البورون، لكن في أشكال مرتبطة بصخور بازلتية، دون وجود قارات جرانيتية واسعة.

كيف ساهمت القارات القديمة في ضبط عنصر البورون
كيف ساهمت القارات القديمة في ضبط عنصر البورون

وهذا يعني أن الكواكب التي تفتقر إلى القارات قد تعاني من تقلبات كيميائية حادة، تجعل بيئتها غير مستقرة للحياة.

وبالتالي، قد يكون تطور الكوكب جيولوجيًا عاملًا حاسمًا في قابليته للحياة، إلى جانب موقعه من النجم.

وأشار الدكتور دايك إلى أن ما نتحدث عنه هو “نظام تحكم جيولوجي في كيمياء سطح الأرض”.

ومع ذلك، تعتمد نتائج الدراسة على نماذج كيميائية وتحليلات معدنية، وليس على قياسات مباشرة لمياه البحار القديمة، ما يستدعي مزيدًا من البحث لتأكيد النتائج.

وقد استندت الدراسة إلى صخور مجمع إيسوا في جرينلاند، التي تحتوي على تورمالين يعود تاريخه إلى 3.7 مليار سنة.

وتشير النتائج إلى أن القارات لم توفر فقط مكانًا لظهور الحياة، بل ساعدت أيضًا في تهيئة المحيط ليصبح بيئة مناسبة لبدء الحياة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading