تغير المناخ يوسع خريطة الأمراض المعدية عالميًا.. خبراء يحذرون من مستقبل صحي أكثر خطورة
من حمى الضنك إلى فيروس هانتا.. كيف يغذي تغير المناخ انتشار الأمراض؟
لم يعد تغير المناخ يهدد البيئة والاقتصاد فحسب، بل أصبح يمثل خطرًا متزايدًا على الصحة العامة، مع تحذيرات العلماء من أن ارتفاع درجات الحرارة يوسع نطاق انتشار الأمراض المعدية المنقولة بالحشرات والقوارض، ويزيد احتمالات ظهور أوبئة في مناطق لم تكن معرضة لها سابقًا.
ووفقًا لتقرير نشره موقع ThinkLandscape، فإن الاحترار العالمي يغيّر جغرافيا الأمراض المعدية، إذ أصبحت الكائنات الناقلة للأمراض، مثل البعوض والقراد والقوارض، قادرة على البقاء لفترات أطول والانتشار في مناطق جديدة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الطقس.

حمى الضنك تهدد أكثر من نصف سكان العالم
يشير التقرير إلى أن العالم سجل أكثر من 14 مليون إصابة بحمى الضنك خلال عام 2024، مقارنة بنحو 7 ملايين حالة فقط في عام 2023، وهو تضاعف ارتبط جزئيًا بظاهرة النينيو التي رفعت درجات الحرارة في العديد من المناطق.
وأوضح البروفيسور بنغ بي، المتخصص في الصحة العامة والطب البيئي بجامعة أديلايد الأسترالية، أن حمى الضنك وحدها أصبحت تشكل تهديدًا لنحو 3.8 مليار شخص، أي أكثر من نصف سكان العالم، مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة.

لماذا يسرّع الاحترار انتشار الأمراض؟
يفسر الخبراء ذلك بأن ارتفاع الحرارة يسرّع دورة حياة الفيروسات داخل البعوض، ما يجعل الحشرات قادرة على نقل العدوى في وقت أقصر، كما يؤدي الطقس الدافئ إلى زيادة بقاء البعوض خلال الشتاء، وإطالة موسم تكاثره وانتشاره.
وفي الوقت نفسه، يقضي الناس وقتًا أطول في الهواء الطلق، ما يزيد فرص التعرض للدغات الحشرات الناقلة للأمراض.
القراد والقوارض توسع نطاق الأمراض
لا يقتصر الخطر على البعوض، إذ يؤكد التقرير أن مرض لايم، الذي ينقله القراد، بدأ ينتشر في مناطق جديدة بأوروبا وأمريكا الشمالية مع اعتدال الشتاء وارتفاع درجات الحرارة، بينما تزدهر القوارض الحاملة لفيروسات خطيرة مثل فيروس هانتا نتيجة فقدان الموائل الطبيعية وتغير استخدامات الأراضي.
كما يلفت التقرير إلى أن ذوبان التربة الصقيعية في المناطق القطبية قد يخلق بيئات جديدة للكائنات الناقلة للأمراض، بل وربما يعيد ظهور مسببات أمراض ظلت مجمدة لآلاف السنين.

إزالة الغابات تزيد مخاطر انتقال الفيروسات
يرى خبراء برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن إزالة الغابات والتوسع الزراعي وفقدان التنوع البيولوجي تزيد الاحتكاك بين البشر والحياة البرية، ما يفتح مسارات جديدة لانتقال الفيروسات.
ويستشهد التقرير بتفشي فيروس إيبولا في غرب ووسط أفريقيا، حيث ارتبطت بعض الفاشيات بفقدان الغابات الكثيفة، بينما تؤدي الضغوط البيئية إلى اقتراب الخفافيش من المناطق السكنية، وهي حيوانات تُعد خزانات طبيعية لفيروسات مثل إيبولا ونيباه وهيندرا وفيروس SARS-CoV-2 المسبب لكوفيد-19.
الفيضانات والجفاف يفاقمان الأزمة
يوضح التقرير أن الظواهر الجوية المتطرفة تؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المعدية بطرق مختلفة.
فالفيضانات تخلّف مساحات واسعة من المياه الراكدة التي تمثل بيئة مثالية لتكاثر البعوض، بينما يؤدي الجفاف إلى تركيز البكتيريا في مصادر المياه المحدودة، ما يزيد خطر الإصابة بأمراض مثل الكوليرا.
كما ترتبط التغيرات الشديدة في الرطوبة بزيادة انتشار بعض الفيروسات التنفسية، بما في ذلك الإنفلونزا.

دعوات لتعزيز الإنذار المبكر
يشدد الباحثون على ضرورة تطوير أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة الصحية، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية لرصد مخاطر تفشي الأمراض قبل وقوعها، خاصة في الدول منخفضة الدخل التي تعاني ضعف أنظمة الرصد الوبائي.
كما يدعو التقرير إلى تبني نهج “صحة واحدة” (One Health)، الذي يربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، عبر حماية الغابات، والحد من التعدي على الموائل الطبيعية، وتعزيز التوعية الصحية، وتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة للحد من الانبعاثات المسببة لتغير المناخ.





