أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

خطر خفي في موجات الحر الشديدة.. سكون الهواء يعطل تبريد الجسم بالعرق

كشفت دراسة علمية حديثة أن الهواء الساكن في الأجواء شديدة الحرارة والجفاف قد يجعل الإجهاد الحراري أكثر خطورة، لأن بخار الماء الناتج عن التعرق يمكن أن يعيق حركة الهواء القريبة من سطح الجلد، ما يؤدي إلى تراجع قدرة الجسم على التخلص من الحرارة.

وأظهرت نتائج الدراسة أن تبخر العرق انخفض بأكثر من النصف في بعض الظروف شديدة الحرارة والجفاف مع غياب حركة الهواء، ما يشير إلى أن الحرارة الجافة لا تكون دائمًا أقل خطورة من الأجواء الرطبة كما هو شائع.

وقال كونراد ريكاتشيفسكي، الأستاذ المشارك في الهندسة بجامعة ولاية أريزونا والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن دور الرطوبة في تبريد جسم الإنسان أكثر تعقيدًا مما يُعتقد عادة.

العرق يصنع تيارات هوائية متعارضة

العرق

اعتمدت النماذج التقليدية لتبريد الجسم على حركة الهواء الناتجة عن اختلاف درجات الحرارة. فعندما تكون درجة حرارة الجلد في حدود 35 درجة مئوية، فإن الهواء الملامس للجلد يبرد ويصبح أكثر كثافة، ما يدفعه إلى الهبوط.

لكن التعرق يخلق تيارًا هوائيًا آخر في الاتجاه المعاكس. فعندما يتبخر الماء من سطح الجلد، يصبح الهواء المحيط أكثر رطوبة وأقل كثافة، ما يدفعه إلى الصعود.

وفي الأجواء الحارة والجافة، يمكن أن تتعارض حركتا الهواء. وعند نحو 41 درجة مئوية مع رطوبة نسبتها 10%، تصبح التيارات الهوائية المتعارضة متقاربة في القوة، ما يؤدي إلى انخفاض حركة الهواء حول الجسم بشكل كبير.

وهنا يستمر العرق في الخروج من الجلد، لكن بخار الماء لا يجد حركة هوائية كافية تساعد على نقله بعيدًا عن سطح الجسم، وبالتالي يتراجع معدل التبخر وتضعف عملية التبريد.

دمية حرارية تحاكي جسم الإنسان

لقياس هذه الظاهرة، استخدم الباحثون دمية حرارية متطورة تُعرف باسم «ANDI»، وهي مصممة لمحاكاة جسم الإنسان ويمكنها التعرق وإطلاق الحرارة.

وتتكون الدمية من 35 منطقة مزودة بأجهزة استشعار تراقب مقدار الحرارة التي يكتسبها الجسم أو يفقدها، كما تحتوي على مسام قادرة على ضخ مياه صناعية لمحاكاة التعرق.

وضع فريق البحث الدمية داخل حجرة مغلقة ساكنة الهواء، ثم أُدخلت الحجرة إلى غرفة مناخية يمكن التحكم في درجات حرارتها ورطوبتها.

وحافظ الباحثون على درجة حرارة سطح الدمية عند 35 درجة مئوية، واختبروا 15 مجموعة مختلفة من درجات الحرارة والرطوبة، مع تكرار كل تجربة ثلاث مرات، واستمرت كل تجربة لمدة 75 دقيقة.

المحاكاة تكشف انخفاضًا كبيرًا في تبخر العرق

بعد التجارب الفعلية، أنشأ الباحثون نموذجًا رقميًا يحاكي الدمية والبيئة المحيطة بها، وأجروا نحو 100 محاكاة إضافية، بما في ذلك ظروف حرارية أشد قسوة من تلك التي يمكن اختبارها عمليًا داخل غرفة المناخ.

وأظهرت المحاكاة أن معدل التبريد الناتج عن التبخر عند درجة حرارة 41 درجة مئوية ورطوبة نسبتها 10% بلغ نحو 82.4 واط لكل متر مربع من سطح الجلد.

وعند استخدام الطريقة التقليدية لحساب التبريد في الظروف نفسها، يصل الرقم إلى نحو 182.7 واط لكل متر مربع، ما يعني أن الطريقة الجديدة التي تأخذ حركة بخار الماء في الاعتبار قدرت التبريد التبخيري بنحو 56%.

وفي المقابل، عندما كانت درجة حرارة الهواء أقل من درجة حرارة الجلد، عند نحو 34 درجة مئوية، ساهمت التيارات الهوائية المختلفة في الاتجاه نفسه، وارتفع التبريد الناتج عن التبخر بنحو 65.2% مقارنة بالحسابات التقليدية.

وتشير هذه النتائج إلى أن تأثير الرطوبة على تبريد الجسم ليس بسيطًا، وأن العلاقة تعتمد أيضًا على ما إذا كان الهواء أكثر سخونة أو برودة من جسم الإنسان.

الحرارة قد ترفع درجة حرارة الجسم إلى مستويات خطرة

لم يتوقف الباحثون عند قياس تبخر العرق، بل استخدموا النتائج في نموذج يحاكي قدرة جسم الإنسان على تنظيم حرارته.

واختبر النموذج سيناريو لشخص شاب يرتدي ملابس خفيفة ويقف داخل خيمة مغطاة خلال فترة الظهيرة لمدة ساعتين، مع درجة حرارة هواء تبلغ 41 درجة مئوية، ورطوبة نسبتها 20%، بينما تصل درجة حرارة الأسطح المحيطة التي تشع الحرارة إلى نحو 55 درجة مئوية.

وبحسب الحسابات التقليدية التي تعتمد على درجة الحرارة والرطوبة، ارتفعت درجة حرارة الجسم الأساسية خلال أول 40 دقيقة، ثم استقرت عند نحو 37.9 درجة مئوية، مع افتراض أن التعرق نجح في موازنة اكتساب الجسم للحرارة.

لكن عند إدخال تأثير بخار الماء وحركة الهواء في النموذج، لم تستقر درجة حرارة الجسم، ووصلت إلى نحو 38.9 درجة مئوية بعد ساعتين.

وبذلك بلغ الفرق نحو درجة مئوية كاملة في درجة حرارة الجسم الأساسية، ونحو 1.5 درجة مئوية عند سطح الجلد، وهي فروق يمكن أن تكون مهمة عند تقييم مخاطر الإجهاد الحراري.

حركة هواء بسيطة قد تقلل الخطر

يحمل البحث جانبًا إيجابيًا مهمًا، إذ أظهرت المحاكاة أن حركة الهواء حتى لو كانت ضعيفة يمكن أن تقلل تأثير هذه الظاهرة بصورة كبيرة.

فعندما تجاوزت سرعة الهواء نحو 0.1 متر في الثانية، أي ما يعادل قرابة 0.2 ميل في الساعة، اقتربت نتائج النموذجين من بعضها بفارق لا يتجاوز نحو 0.1 درجة مئوية.

لكن الهواء في العالم الحقيقي لا يتحرك بصورة ثابتة، ولذلك اختبر الباحثون أيضًا تدفقًا يتغير بين السكون وسرعة 0.1 متر في الثانية. وأظهرت النتائج أن جزءًا من الفرق في درجات الحرارة ظل قائمًا.

وقال ريكاتشيفسكي إن تأثير الهواء وحركة الجسم يمكن أن يقللا من هذه الظاهرة لدى العاملين في الأماكن المفتوحة، لكن الخطر قد يكون أكبر خلال فترات انعدام الرياح أو في الأماكن شبه المغلقة وضعيفة التهوية.

وتشمل هذه الأماكن الخيام، والمناطق المغطاة بالمظلات، ومواقع البناء، وبعض المساحات الداخلية التي لا تشهد حركة هواء كافية.

الخطر لا يقتصر على الأماكن المفتوحة

يمثل الهواء الساكن مشكلة خاصة داخل المباني، حيث يقضي الإنسان نسبة كبيرة من وقته.

وأشار الباحثون إلى أن حالات الوفاة المرتبطة بالحرارة يمكن أن تحدث داخل المنازل، خصوصًا عندما تتعطل أجهزة التبريد أو لا تتوافر أنظمة تكييف فعالة.

وتزداد أهمية هذه المشكلة في المناطق الجافة والحارة التي يعيش فيها مليارات الأشخاص، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة نتيجة تغير المناخ، وفي ظل عدم قدرة كثير من السكان على الوصول إلى أجهزة تكييف الهواء.

ويرى الباحثون أن فهم حركة الهواء وبخار الماء حول الجسم يمكن أن يساعد في تحسين نماذج الإجهاد الحراري المستخدمة لتقييم قدرة الإنسان على تحمل درجات الحرارة المرتفعة.

الدراسة تكشف حدودًا مهمة

رغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن التجارب لا تمثل جميع الظروف التي يعيش فيها الإنسان.

فالتجارب أُجريت باستخدام دمية تحاكي جسم رجل بالغ، وكانت البشرة مبللة بصورة متجانسة، بينما لا يتوزع العرق بهذه الطريقة على جسم الإنسان الحقيقي.

كما لم تختبر الدراسة تأثير الملابس، التي يمكن أن تغير حركة بخار الماء بالقرب من الجلد، أو تأثير الحركة والمشي بصورة مباشرة.

واعتمد النموذج أيضًا على جسم رجل بالغ متوسط الحجم، ما يعني أن النتائج لا يمكن تطبيقها تلقائيًا على الأطفال وكبار السن والحوامل وغيرهم من الفئات الأكثر عرضة لمخاطر الحرارة.

ولم تُجرَ التجارب على جسم بشري يرتدي الملابس ويتحرك في ظروف هوائية متغيرة تشبه البيئة الخارجية تمامًا.

ضرورة تطوير نماذج الإجهاد الحراري

يرى فريق البحث أن النتائج تشير إلى ضرورة إدخال تأثير حركة بخار الماء والتيارات الهوائية الناتجة عن التعرق في نماذج الإجهاد الحراري وتنظيم درجة حرارة الجسم، خصوصًا عند تقييم الظروف شديدة الحرارة والجفاف مع انخفاض سرعة الرياح.

وتكتسب هذه النتائج أهمية متزايدة مع تكرار موجات الحر الشديدة حول العالم، إذ قد لا تعكس مؤشرات الحرارة والرطوبة وحدها مقدار الضغط الحراري الحقيقي الذي يتعرض له الإنسان في الأماكن ضعيفة التهوية.

وتشير الدراسة إلى أن وجود الهواء المتحرك، حتى وإن كان ضعيفًا، يمكن أن يمثل عاملًا مهمًا في مساعدة الجسم على التخلص من الحرارة.

ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة Science Advances، وتقدم تفسيرًا جديدًا لسبب إمكانية تحول بعض الأجواء الحارة والجافة، التي يُنظر إليها عادة على أنها أكثر ملاءمة لتبخر العرق، إلى ظروف خطرة عندما يتوقف الهواء تقريبًا عن الحركة.
Tags

https://www.science.org/doi/10.1126/sciadv.aee4703
لينك الدراسة + بعض الصور

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة