استقالة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعد عقدين من القيادة وسط أزمة تمويل كبرى
شتاينر يحذّر من فقدان السيطرة على المناخ: نقترب من تخطي حاجز 1.5 درجة والمساعدات ليست فاشلة
أعلن كبير دبلوماسيي التنمية في الأمم المتحدة، أخيم شتاينر، استقالته من منصبه بعد نحو عقدين من العمل في قيادة اثنين من أبرز برامج المنظمة الدولية.
ويغادر شتاينر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي التحق به في عام 2017، بعدما أمضى السنوات العشر السابقة مديرًا تنفيذيًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.
تأتي استقالته في وقت حرج، يشهد فيه النظام الأممي تراجعًا غير مسبوق في التأثير والتمويل، وسط اضطرابات عالمية وتخفيضات واسعة في مساعدات التنمية من قبل حكومات عدة.
ووفقًا لتقديرات منظمة أوكسفام، من المتوقع أن يخفض نادي الدول السبع (G7) مجمل ميزانية مساعداته الإنمائية بنسبة 28% في عام 2026 مقارنة بمستويات 2024.

35 % من أهداف التنمية المستدامة فقط على المسار الصحيح
في غضون ذلك، يكشف التقرير الأحدث عن مدى التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة أنه، قبل خمس سنوات من الموعد النهائي في 2030، لا يسير سوى 35% من الأهداف السبعة عشر على المسار الصحيح أو تحرز تقدمًا معتدلًا، بينما تراجع 18% منها إلى ما دون خط الأساس لعام 2015.
وفي مقابلة مع مجلة “ذا إثيكال كوربوريشن” على هامش مؤتمر هامبورغ للاستدامة الشهر الماضي، أقرّ شتاينر بأن التقدم في جدول أعمال التنمية ترك كثيرين خلف الركب.
لكنه شدّد أيضًا على أهمية تسليط الضوء على النجاحات المحققة، قائلًا: “من السهل أن نبدأ بكل ما هو خاطئ، لكن من الضروري مواجهة التصور السائد بأن ستة عقود من التنمية والتعاون الإنمائي كانت فاشلة”.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نحو 170 دولة
وأوضح أن قصة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نحو 170 دولة هي، في جوهرها، حكاية نجاحات وإنجازات استثنائية.
ففي عام 1995، لم يكن لدى الإنترنت سوى 15 مليون مستخدم. أما اليوم، في عام 2025، فإن ما يقرب من 6.5 مليار شخص – وربما قريبًا 7 مليارات – يتمتعون بإمكانية الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة، وهو عدد يفوق عدد سكان العالم آنذاك.
وأضاف: “خلف هذا الإنجاز يقف مئات الملايين ممن خرجوا من دائرة الفقر المدقع، وأمراض تم القضاء عليها، وعدد غير مسبوق من الفتيات التحقن بالتعليم، فضلًا عن فرص متزايدة للاستثمار في التحول إلى الطاقة الخضراء والنقل النظيف، وهي فرص لم تتح بهذا الزخم منذ بداية الثورة الصناعية”.
يُعد شتاينر، البالغ من العمر 64 عامًا، صاحب خلفية دولية متنوعة، إذ وُلد في البرازيل لأبوين ألمانيين مهاجرين، وتلقى تعليمه في لندن وأكسفورد وبرلين، كما درس في كلية هارفارد للأعمال.

جنّب 91 مليون حالة وفاة في 20 عام
لطالما دار الجدل حول جدوى المساعدات الدولية، حيث يشكك بعض خبراء الاقتصاد في فعاليتها، معتبرين أنها تُساء إدارتها أو تُهدر أو تقع في أيدي أنظمة فاسدة، بما يعزز التبعية بدلًا من محاربة الفقر.
لكن شتاينر يردّ على ذلك بالإشارة إلى التأثير المحتمل لإغلاق وكالة المساعدات الأمريكية “يو إس إيد” الذي أعلنه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وهو الإجراء الذي توقعت مجلة “ذا لانست” أن يؤدي إلى أكثر من 14 مليون حالة وفاة إضافية بحلول 2030.
وقال: “الاعتقاد بأن المساعدات لا تنجح هو وهم، فقط خلال العشرين عامًا الماضية، ساهمت USAID في تجنّب 91 مليون حالة وفاة”.
في ملف التغير المناخي، أبدى شتاينر قلقه من قرب تجاوز الحد الحرج البالغ 1.5 درجة مئوية، رغم معرفة العالم بما يجب فعله.

وقال: “كل سنة تمر دون عمل حاسم تجعل تكلفة التعامل مع الأزمة أكبر، وتقربنا من الوقوع في فخ الاحترار العالمي الذي يصعب الخروج منه”.
وأشار إلى أن أحد المحاور التي برزت خلال قيادته لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي هو الدور المتزايد للطبيعة في التصدي لتغير المناخ، قائلًا: “عندما ننظر إلى تمويل حماية الطبيعة وتمويل المناخ، نجد تقاطعًا كبيرًا بينهما. نحن بحاجة إلى استجابات مدمجة تأخذ بعين الاعتبار الحدود الكوكبية التي نقترب من تجاوزها”.
ودعا إلى أنظمة زراعية وغذائية تحافظ على خصوبة التربة وتكافئ المزارعين على دورهم الحيوي، بدلًا من دفعهم إلى استنزاف مواردهم الطبيعية.

التحول الأخضر لا يُعيق النمو
وتابع: “في برنامجي السابق في نيروبي، بين عامي 2006 و2016، كان جوهر عملي هو إثبات أن الاقتصاد والبيئة ليسا على طرفي نقيض، بل يمكن أن يتعززا سويًا عبر اقتصاد جديد يولّد وظائف خضراء حقيقية”.
ومن بين آخر إنجازاته كمدير للبرنامج، الإشراف على إصدار تقرير مشترك مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يؤكد أن مواءمة السياسات المناخية مع الأولويات الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن ترفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وأوضح: “لقد أظهرنا أن التحول الأخضر لا يُعيق النمو، بل يدعمه على المدى الطويل”.
وساهمت أدوات مالية مبتكرة في دعم هذا التحول، من بينها المحاسبة البيئية في الموازنات العامة، وزيادة تركيز سلاسل التوريد على المرونة، وتطوير أدوات مثل السندات الخضراء والزرقاء لتمويل الاستثمار في رأس المال الطبيعي.
وأشار شتاينر إلى أن بعض البلدان بلغت نقاط التحول في قطاعات محددة، مثل أوروجواي وكينيا اللتين تولدان أكثر من 90% من كهربائهما من مصادر متجددة، بينما وصلت مبيعات السيارات الكهربائية إلى نصف إجمالي السيارات الجديدة في الصين، ونحو 90% في النرويج.

الأمم المتحدة تمر بلحظة فارقة
ومع ذلك، تُظهر تقارير أهداف التنمية المستدامة أن التقدم كان غير متوازن.
فبينما بدأت الدول الغنية بالتعافي من تداعيات كوفيد-19، هناك العشرات من الدول التي لا تزال في حالة ركود منذ عام 2019، وهي نفسها الدول الأعلى مديونية، ما يجبرها على تقليص موازنات الصحة والخدمات الاجتماعية لصالح خدمة الديون.
كما لا تملك هذه الدول القدرة على الاستثمار في أساسيات الاقتصاد الرقمي، رغم أن التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي تحديدًا، سيكونان عاملين حاسمين في مستقبل التنمية.

قال شتاينر: “إذا ظل مئات الملايين في الدول الأشد فقرًا خارج دائرة الوصول إلى الطاقة والتكنولوجيا، فإن ذلك لا ينبئ بمستقبل اقتصادي عالمي مستقر، بل ستكون له تداعيات جيوسياسية عميقة”.
وقد تجلى ذلك في حادث انهيار نهر جليدي فوق قرية بلاتن السويسرية نهاية مايو، حيث نجا السكان بفضل أنظمة الإنذار المبكر.
وقال: “هذا مثال صارخ على كيف يمكن للتكنولوجيا أن تجعل حياتنا أكثر أمنًا وإنتاجية، شرط أن تكون متاحة للجميع”.
وفي نهاية حواره، أقرّ بأن الأمم المتحدة تمر بلحظة فارقة، ليس فقط في جدول أعمال التنمية، بل في مستقبل النظام متعدد الأطراف برمته.

تطوير التعددية وتحديث قدرة الأمم المتحدة على خدمات بكفاءة أكبر
وقال: “التعددية اليوم محل تساؤل وتحدٍّ، وينبغي للأمم المتحدة أن تنخرط في هذا النقاش. من وجهة نظري، نحن بحاجة إلى تطوير التعددية وتحديث قدرة الأمم المتحدة على تقديم خدمات أساسية بكفاءة أكبر”.
وعن خطوته المقبلة، قال إنه يرجّح العودة إلى المملكة المتحدة، حيث شغل سابقًا منصب مدير “أوكسفورد مارتن سكول”، وسيواصل العمل في قضايا المناخ والتنمية، لا سيما ما يتعلق بتكاملها مع قضايا الأمن القومي، مثل الاستعداد للجوائح المقبلة، ومواجهة الفجوة الرقمية والذكاء الاصطناعي.

وختم قائلًا: “بعد سنوات طويلة في قيادة منظمات دولية، أترقب فرصة لالتقاط الأنفاس، مع الأمل في مواصلة الإسهام بطرق جديدة”.





