أكثر من 69 ألف وفاة بسبب درجات الحرارة المتطرفة في الولايات المتحدة
بحث جديد يكشف خريطة الوفيات الخفية الناتجة عن تغيرات الطقس المفاجئة خلال 25 عامًا
تُظهر دراسة جديدة أن درجات الحرارة المتطرفة تسببت في آلاف الوفيات التي كان يمكن منعها عبر الولايات المتحدة.
فرغم أن معظم الناس يشعرون بتغير الطقس من حولهم، إلا أن قلةً فقط يدركون تأثيره الأعمق على الصحة. فالحرارة قد تثقل كاهل الجسد قبل أن يلاحظ المرء أي أعراض، والبرودة يمكن أن تُحدث الضرر بالسرعة نفسها، إذ تؤثر هذه الظروف على حياة الإنسان أكثر مما تعكسه التوقعات الجوية اليومية.
وينشر هذا البحث في دورية “حوليات الطب الباطني” (Annals of Internal Medicine).
وجاءت نتائج الدراسة في وقت تتزايد فيه حدة تقلبات المناخ وشدتها.
فقد حلل باحثون في مستشفى “ماس جنرال بريجهام” سجلات الوفيات الوطنية الممتدة على مدار 25 عامًا لمعرفة كيفية تأثير الحرارة والبرودة على أنماط الوفيات في مختلف أنحاء البلاد.
واعتمدت الدراسة على منصة “ووندر” التابعة لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، التي تتيح مراجعة شهادات الوفاة التي تُسجِّل درجات الحرارة المتطرفة كسبب مباشر أو مساهم في الوفاة.
وقد مكّن ذلك الباحثين من رصد الأحداث الفعلية عوضًا عن الاعتماد على النماذج التقديرية.
وأوضحت الدراسة، التي شارك في إعدادها الدكتور شادي أبو هاشم، أن الأبحاث السابقة درست وفيات الحرارة والبرودة كلٌّ على حدة، بينما يقدم هذا العمل تقييمًا شاملًا ومعاصرًا لوفيات ناجمة عن درجات حرارة غير ملائمة عند طرفيها، مع تحليل الفروق بين الفئات الديموغرافية المختلفة.
أكثر من 69 مليون وفاة
وخلال الفترة بين عامي 1999 و2024، سُجِّل في الولايات المتحدة أكثر من 69 مليون وفاة، كان من بينها 69,256 حالة مرتبطة بالتعرض للحرارة أو البرودة الشديدة.
وكانت البرودة مسؤولة عن 65 في المئة من هذه الحالات، في حين تسببت الحرارة في 35 في المئة منها. كما ارتفعت الأعداد في السنوات الأخيرة، بما يعكس الضغوط المناخية المتزايدة عبر العديد من المناطق.
وأشار الدكتور أبو هاشم إلى أن حالات الوفاة الناجمة عن الحرارة مرشحة للارتفاع مع استمرار اتجاهات الاحترار العالمي.
كما أوضح أن التغيرات المفاجئة في درجات الحرارة تتسبب في العديد من الوفيات، إذ يجد الأشخاص الأكثر هشاشة أنفسهم أمام خطر مباشر قبل أن تتاح لهم فرصة الاستجابة.
وبيّنت الدراسة أن البالغين الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا هم الأكثر عرضة للخطر، إذ يُظهرون حساسية أعلى للإجهاد الحراري والصدمات الناتجة عن البرد.
كما سجل الرجال معدلات وفاة أعلى مقارنة بالنساء عند التعرض لدرجات الحرارة المتطرفة.
وأضافت الدراسة أن الفوارق العرقية تزيد من حدة المشكلة؛ فالسكان من أصول إفريقية سجلوا أعلى معدلات الوفيات عند التعرض للحرارة والبرودة، يليهم البيض ثم ذوو الأصول الإسبانية.
وتعكس هذه الأنماط أوجه عدم المساواة في ظروف السكن، ومستوى العزل الحراري، وتوفر وسائل التدفئة والتبريد، فضلًا عن الأعمال التي تفرض التعرض المباشر للعوامل الجوية.
وتوضح الدراسة أن التغير المناخي يضاعف المخاطر، إذ أصبحت موجات الحر أطول وأشد، بينما تضرب موجات البرد القصيرة بعنف مفاجئ رغم ارتفاع متوسط درجات الحرارة.
وتشكل هذه التغيرات ضغطًا كبيرًا على أنظمة الصحة العامة، والبنية التحتية للطاقة، وآليات الدعم المجتمعي.
وتؤثر درجات الحرارة المتطرفة على الصحة اليومية بطرق تدريجية؛ فالحرارة ترهق القلب والجهاز التنفسي، بينما يضغط البرد على الدورة الدموية والتنفس.
وتزداد هذه المخاطر لدى من يعانون من أمراض مزمنة أو يتناولون أدوية تؤثر على تنظيم حرارة الجسم.
ويواجه الأطفال الصغار وكبار السن صعوبة أكبر في التكيف، بينما يتجاهل كثيرون الأعراض المبكرة.

جودة المساكن تلعب دورًا محوريًا
وتشير الدراسة إلى أن جودة المساكن تلعب دورًا محوريًا، إذ تصبح الليالي الحارة خطيرة عندما تعجز المنازل عن التبريد، بينما تتحول العواصف الشتوية إلى تهديد قاتل عند تعطل وسائل التدفئة.
كما تجعل انقطاعات التيار الكهربائي الصيف والشتاء أكثر خطورة.
وتبرز الدراسة دور العوامل الاجتماعية، حيث تتمتع الأحياء الثرية بعزل حراري أفضل، وأنظمة تبريد وتدفئة أكثر أمانًا، ومستوى أعلى من الخدمات الصحية.
أما المجتمعات منخفضة الدخل فتعاني نقص وسائل التبريد، أو استخدام أنظمة قديمة، أو بعد المسافة عن مراكز الإيواء.
ويعمل العديد من سكانها في أعمال ميدانية تزيد تعرضهم للحرارة والبرد. وتضاعف حواجز اللغة ونقص المعلومات مخاطر هذه الفئات.

الوفيات يمكن منعها
وتؤكد النتائج أن الوفيات المرتبطة بدرجات الحرارة يمكن منعها، حتى في ظل تغير المناخ.
إذ يمكن تحسين جودة السكن، وتوسيع الوصول إلى التبريد والتدفئة، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتوجيه الرسائل الصحية إلى الفئات التي لا تصلها التحذيرات عادة.
وتتيح البيانات الممتدة على مدى ربع قرن فهمًا واضحًا للفئات الأكثر تعرضًا للخطر، ما يسمح بوضع خطط استجابة أدق.
وتختتم الدراسة بدعوة واضحة لتعزيز جهود حماية الفئات الضعيفة، من خلال تحسين التخطيط، وتوفير الموارد، واعتماد سياسات تُراعي العدالة المناخية.





