لماذا تنتشر العدوى أكثر شتاءً؟ علماء يكشفون دور الهواء البارد في حركة الفيروسات
العلماء يكشفون علاقة خفية بين درجات الحرارة وانتقال الأمراض التنفسية
منذ جائحة كوفيد-19، أصبح فهم كيفية انتقال الفيروسات عبر الهواء أحد أهم مجالات البحث العلمي المرتبطة بالصحة العامة، ورغم أن العلماء أثبتوا منذ سنوات أن السعال والعطس يطلقان سحباً من الجسيمات الدقيقة القادرة على حمل مسببات الأمراض، فإن الكثير من التفاصيل المتعلقة بكيفية تحرك هذه الجسيمات داخل الأماكن المغلقة لا تزال قيد الدراسة.
وفي هذا السياق، توصل باحثون في إسبانيا إلى نتائج جديدة تشير إلى أن الهواء البارد قد يلعب دوراً مهماً في زيادة المسافة التي تقطعها الجسيمات التنفسية المحمولة جواً، ما قد يساعد على تفسير ارتفاع معدلات انتشار بعض الأمراض التنفسية خلال المواسم الباردة.
الدراسة التي أجراها فريق من جامعة روفيرا إي فيرجيلي في مدينة تاراغونا الإسبانية، ونُشرت في دورية Physics of Fluids، اعتمدت على محاكاة دقيقة لعملية السعال بهدف فهم تأثير درجة حرارة البيئة المحيطة على حركة السحب الهوائية المحملة بالرذاذ والجسيمات الدقيقة.
لماذا يهتم العلماء بالسعال؟
قد يبدو السعال حدثاً عابراً يستمر لثوانٍ معدودة، لكنه في الواقع يمثل عملية فيزيائية معقدة تنطلق خلالها آلاف القطرات والجسيمات المجهرية إلى الهواء بسرعة كبيرة.
بعض هذه الجسيمات يكون مرئياً على شكل رذاذ، لكن معظمها صغير للغاية بحيث لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، ومع ذلك، يمكن أن يبقى معلقاً في الهواء لفترات متفاوتة وينتقل داخل الأماكن المغلقة حاملاً فيروسات أو بكتيريا قادرة على إصابة الآخرين.
وقد أثارت جائحة كورونا اهتماماً واسعاً بهذه السحب الهوائية غير المرئية، خاصة بعد إثبات أن العدوى لا تنتقل فقط عبر الملامسة المباشرة أو القطرات الكبيرة، بل أيضاً من خلال الهباء الجوي الدقيق الذي يمكن أن يبقى معلقاً لفترات طويلة.

آلة تحاكي السعال البشري
أحد التحديات الرئيسية التي تواجه الباحثين يتمثل في أن البشر لا يسعلون بالطريقة نفسها. فشدة السعال تختلف من شخص لآخر، كما تؤثر سعة الرئتين وشكل الأنف والفم والحنجرة في طريقة خروج الهواء من الجسم.
وللتغلب على هذه المشكلة، طور الباحثون جهازاً ميكانيكياً يحاكي عملية الزفير والسعال بصورة دقيقة وقابلة للتكرار.
واعتمد الجهاز على نموذج مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد يحاكي المجرى التنفسي العلوي للإنسان، بما يشمل الأنف والبلعوم والقصبة الهوائية، إضافة إلى وجه بشري صناعي.
وكان الجهاز يضخ هواء دافئاً بدرجة حرارة مماثلة لحرارة جسم الإنسان محملاً بجسيمات دقيقة، فيما استخدم الباحثون أشعة ليزر وكاميرات عالية السرعة لتتبع حركة السحابة الهوائية الناتجة عن “السعال الاصطناعي”.

ماذا يحدث عندما يلتقي الهواء الدافئ بالهواء البارد؟
اختبر الباحثون حركة الجسيمات في غرفة مغلقة عند ثلاث درجات حرارة مختلفة هي 27 و17 و7 درجات مئوية، بينما ظلت حرارة الهواء الخارج من الجهاز عند 37 درجة مئوية، وهي قريبة من حرارة الزفير البشري الطبيعية.
وأظهرت النتائج أن الفارق بين درجة حرارة الجسم ودرجة حرارة الهواء المحيط يلعب دوراً حاسماً في سلوك السحابة التنفسية.
فكلما ازداد هذا الفارق، أصبحت السحابة أكثر تماسكاً وأقل اختلاطاً بالهواء المحيط، ما يسمح لها بالحفاظ على بنيتها لفترة أطول والتحرك لمسافات أكبر.
وأوضح الباحثون أن الهواء البارد لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة عدد الجسيمات، لكنه يساعد على إبقائها مجتمعة في كتلة أكثر تركيزاً، وهو ما قد يزيد احتمالات وصولها إلى أشخاص آخرين قبل أن تتبدد في الهواء.

لماذا تنتقل العدوى بسهولة أكبر في الشتاء؟
تقدم نتائج الدراسة تفسيراً إضافياً للارتفاع الموسمي في معدلات الإصابة بالإنفلونزا ونزلات البرد وبعض الأمراض التنفسية الأخرى خلال فصول الشتاء.
فخلال الطقس البارد يميل الناس إلى قضاء فترات أطول داخل الأماكن المغلقة، بينما تبقى النوافذ والأبواب مغلقة لفترات طويلة، ما يؤدي إلى انخفاض معدلات التهوية الطبيعية.
وفي الوقت نفسه، تشير الدراسة إلى أن الهواء البارد يساعد السحب التنفسية على الاحتفاظ بتماسكها لفترة أطول، ما يمنح الجسيمات الحاملة للفيروسات فرصة أكبر للانتقال عبر الغرفة.
وبالتالي فإن زيادة انتشار العدوى في الشتاء لا ترتبط فقط بالتجمعات البشرية داخل المباني، بل قد تكون أيضاً مرتبطة بالخصائص الفيزيائية للهواء نفسه.
الأنف يلعب دوراً أكبر مما كان متوقعاً
من النتائج اللافتة في الدراسة أن شكل الوجه والمجرى التنفسي يؤثر بشكل مباشر في اتجاه انتشار الجسيمات.
فعندما أغلق الباحثون فتحتي الأنف في النموذج التجريبي، خرج الهواء بالكامل من الفم واتجه إلى الأسفل بزاوية محددة.
لكن عند فتح الأنف، خرج نحو 39% من الهواء عبره، ما أدى إلى تغيير شكل السحابة واتجاهها ومسار انتشارها.
ويشير ذلك إلى أن النماذج المبسطة التي تعتمد على أنبوب مستقيم لمحاكاة التنفس قد لا تكون كافية لفهم السلوك الحقيقي للجسيمات المحمولة جواً، لأن تشريح الوجه البشري يؤثر بصورة كبيرة في حركة الهواء.

قوة السعال لا تزال عاملاً حاسماً
إلى جانب درجة الحرارة، أظهرت الدراسة أن شدة السعال نفسها تلعب دوراً رئيسياً في تحديد مدى انتقال الجسيمات.
ففي الثواني الأولى بعد السعال، تكون القوة الدافعة للهواء هي العامل الأكثر تأثيراً، إذ تدفع الجسيمات بسرعة إلى الأمام على شكل نفثة هوائية قوية.
ومع تراجع هذه القوة تدريجياً، يبدأ تأثير الطفو الحراري في الظهور، حيث يرتفع الهواء الدافئ ويتغير مسار السحابة تحت تأثير الفروق الحرارية مع البيئة المحيطة.
لذلك فإن أقوى حالات الانتشار تحدث عندما تتزامن قوة السعال المرتفعة مع بيئة باردة تسمح للسحابة بالحفاظ على تماسكها لفترة أطول.
أهمية التهوية في الحد من المخاطر
تشير النتائج إلى أن تصميم أنظمة التهوية داخل المباني قد يكون أكثر أهمية مما كان يُعتقد سابقاً.
فالتهوية لا تعني فقط إدخال هواء نقي إلى الغرفة، بل تشمل أيضاً تحسين اختلاط الهواء الداخلي ومنع تشكل مناطق راكدة أو جيوب هوائية تسمح بتراكم الجسيمات التنفسية.
كما أن أنظمة التدفئة والتبريد وتوزيع الهواء داخل المباني قد تؤثر بصورة مباشرة في حركة السحب التنفسية ومسارات انتقالها.
ويرى الباحثون أن تحسين التهوية والحفاظ على تدفق هوائي متوازن يمكن أن يساعدا في تفكيك السحب المركزة من الجسيمات وتقليل احتمالات انتقال العدوى داخل الأماكن المغلقة.
نحو فهم أفضل لانتقال الأمراض
رغم أن الدراسة لا تثبت أن الهواء البارد يزيد بالضرورة من معدلات الإصابة بالأمراض، فإنها تقدم فهماً أكثر دقة للآليات الفيزيائية التي تتحكم في انتقال الجسيمات التنفسية.
وتؤكد النتائج أن درجة حرارة الغرفة، وقوة السعال، وتصميم المجرى التنفسي، وأنظمة التهوية، كلها عوامل متداخلة تؤثر في حركة الجسيمات الحاملة للفيروسات.
ومع استمرار الاهتمام العالمي بمكافحة الأمراض التنفسية والوقاية من الأوبئة المستقبلية، قد تسهم مثل هذه الدراسات في تطوير مبانٍ أكثر أماناً وتحسين استراتيجيات التهوية وتقليل مخاطر انتقال العدوى في المدارس والمستشفيات ووسائل النقل والأماكن العامة.





