ملفات خاصةأخبارتغير المناخ

أسرار انبعاثات الكربون والميثان من أراضي الخث.. الأراضي الرطبة الدافئة تكشف مستقبل الكربون على الأرض

بحث جديد يكشف مقاومة مجتمعات الميكروبات في الشمال للتغير المناخي

يقول جويل كوستكا، أستاذ «توم وماري باتون» المتميز، إن ما بين ثلث ونصف الكربون المخزن في تربة الأرض يوجد في الأراضي الخثية.
هذه الأراضي الرطبة، المتكوّنة من طبقات متراكمة من بقايا النباتات المتحللة، تمتد من القطب الشمالي إلى المناطق الاستوائية، وتدعم التنوع البيولوجي وتنظم المناخ العالمي.
ويضيف كوستكا، وهو أيضًا نائب رئيس قسم الأبحاث في كلية العلوم البيولوجية ومدير مركز «جورجيا تك من أجل جورجيا الغد»، أن الأراضي الخثية «مخازن كربون أساسية، لكنها مهددة بإطلاق هذا الكربون على شكل ثاني أكسيد الكربون والميثان مع ارتفاع درجات الحرارة».
ويؤكد أن فهم نسبة انبعاث ثاني أكسيد الكربون إلى الميثان أمر بالغ الأهمية، إذ إن الميثان أكثر تأثيرًا على الاحتباس الحراري.

أراضي الخث

كوستكا هو المؤلف المشارك لدراسة جديدة تكشف كيفية وأسباب إنتاج الأراضي الخثية لثاني أكسيد الكربون والميثان.
نُشرت هذه الدراسة بعنوان: «مجتمعات الميكروبات في الأراضي الخثية الشمالية تظهر مقاومة للتسخين وتكتسب مستقبلات إلكترونية من المادة العضوية في التربة”.

نشرت الدراسة هذا الصيف في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز»، وقادها المؤلفان المشاركان بوجا ألديغير-ريكيلمي، الباحث ما بعد الدكتوراه في مختبر الجينوميات الميكروبية البيئية، وكاثرين دوشونو، طالبة الدكتوراه في كلية العلوم البيولوجية.
تبني الدراسة على عقد من الأبحاث ضمن مشروع «استجابات الأراضي الخثية والخاصة بالصنوبريات للتغير البيئي» (SPRUCE) في مختبر أوك ريدج الوطني بولاية مينيسوتا، وهو مشروع طويل الأمد يتيح للباحثين تسخين مقاطع كاملة من الأراضي الرطبة من قمم الأشجار حتى قاع المستنقع.

يقول كوستكا: «أظهرنا خلال السنوات العشر الماضية أن التسخين في هذا التجربة المناخية واسعة النطاق يزيد إنتاج الغازات الدفيئة، لكن رغم أن التسخين يجعل المستنقع ينتج مزيدًا من الميثان، ما زلنا نرصد إنتاجًا أكبر بكثير لثاني أكسيد الكربون مقارنة بالميثان، في هذه الورقة نتخذ خطوة حاسمة لاكتشاف السبب ووصف الآليات التي تحدد أي الغازات يتم إطلاقها وبأي كميات».

أسرار انبعاثات الكربون والميثان من أراضي الخث..
أسرار انبعاثات الكربون والميثان من أراضي الخث..

لغز الميثان

ظل الإنتاج المحدود للميثان في الأراضي الخثية لغزًا طويل الأمد، ففي هذه الأراضي المشبعة بالمياه يقل الأكسجين، لكن الميكروبات ما زالت بحاجة إلى التنفس لإنتاج الطاقة لوظائفها الحيوية.
وبدون الأكسجين تستخدم الميكروبات النترات أو الكبريتات أو المعادن للتنفس، وتطلق ثاني أكسيد الكربون في العملية.
أما إذا غابت هذه المركبات، فتلجأ إلى «تنفس» ينتج الميثان.

وبما أن النترات والكبريتات والمعادن نادرة نسبيًا في الأراضي الخثية، كان من المفترض أن يسود إنتاج الميثان، لكن الملاحظات تُظهر العكس.

يوضح كوستكا: «في العمل الميداني والتجارب المخبرية تنتج الأراضي الخثية ثاني أكسيد الكربون أكثر بكثير من الميثان، وهو أمر محير لأن ظروف التربة تدعم سيطرة إنتاج الميثان».
لحل هذا اللغز، استخدم الفريق مجموعة من الأدوات الجينية المتقدمة المسماة «الأومكس» (omics) : الميتاجينومكس (دراسة الحمض النووي)، الميتاترانسكريبتومكس (دراسة الحمض النووي الريبي)، والميتابولومكس (تحليل نواتج الأيض)، ما أتاح نظرة تفصيلية تحت «غطاء محرك» الميكروبات التي تدور المادة العضوية في الأراضي الرطبة.
كما وفرت هذه الأدوات نافذة جديدة على تنوع الميكروبات في التربة؛ إذ تبين أن 80% من الكائنات التي حُددت في الدراسة جديدة على مستوى الأجناس.

 توزيع العمق والجديد التصنيفي للجينومات المجمعة من الميتاجينوم (MAGs) المستخرجة من خث التنوب.
توزيع العمق والجديد التصنيفي للجينومات المجمعة من الميتاجينوم (MAGs) المستخرجة من خث التنوب.

ابتكارات “الأومكس”

خلال سنوات عدة، جمع الفريق عينات من أرض خثية محاطة بحجرة تجريبية سُخنت تدريجيًا، ثم حلل العينات باستخدام «الأومكس» لرصد التغيرات. في البداية افترض الباحثون أن تسخين التربة سيؤدي إلى تغيّر سريع في المجتمعات الميكروبية.

يقول كوستكا: «يمكن للميكروبات أن تتطور وتنمو بسرعة، لكن هذا لم يحدث».

أظهرت الطرق المعتمدة على الحمض النووي أن المجتمعات الميكروبية بقيت مستقرة إلى حد كبير، رغم أن المستنقع أطلق مزيدًا من الغازات الدفيئة مع ارتفاع درجة حرارته.
ولتقييم القدرة الأيضية للميكروبات، بنت دوشونو وألديغير-ريكيلمي جينومات ميكروبية، فحصتا كيف تحلل المادة العضوية في الأراضي الخثية وتدور الكربون.
يقول كوستكا: «وجدنا أن النشاط الميكروبي يزداد مع التسخين، لكن استجابة النمو في المجتمعات الميكروبية تتأخر عن هذه التغيرات في النشاط الفيزيولوجي أو الأيضي».
ويحذر من أن هذا لا يعني بالضرورة أن المجتمعات لن تتغير مع ارتفاع الحرارة، بل قد تأتي هذه التحولات بعد التغيرات الأيضية.

تظهر الأنواع السائدة في خث شجرة التنوب إمكانات أيضية متعددة الاستخدامات
تظهر الأنواع السائدة في خث شجرة التنوب إمكانات أيضية متعددة الاستخدامات

تنوع الاكتشافات

أما الميثان، فيعتقد الفريق أن الميكروبات قد تكون تحلل المادة العضوية للحصول على المكونات الرئيسية لإنتاج ثاني أكسيد الكربون، أي النترات والكبريتات والمعادن، لكن أبحاثًا إضافية جارية للتحقق من ذلك.
يقول كوستكا إن إجراء هذا النوع من أبحاث «الأومكس» المتكاملة في النظم الترابية ما يزال صعبًا للغاية.
فالتحدي متعدد الأوجه، إذ يعتمد البحث على سنوات من التجارب، وبيانات طويلة الأمد، وتقنيات مخبرية متقدمة، وابتكارات ميدانية.
في SPRUCE تبلغ مساحة الحجرات التجريبية نحو 1000 قدم مربع. ورغم أنها بيئة تجريبية مدهشة، يتعين على الباحثين الحذر: “نحتاج إلى أخذ عينات تربة لسنوات عديدة، فإذا أخذنا أكثر من اللازم فلن يتبقى تربة»، يوضح كوستكا، جزء من بحثنا يتضمن تطوير تقنيات أخذ عينات غير تدميرية أفضل”.

التحدي الآخر يكمن في سمة فريدة لهذه الأراضي الخثية: من الصعب جدًا رصد التغيرات الصغيرة بسبب التنوع الهائل للكائنات الموجودة. «في كل مرة نجري فيها هذا النوع من الأبحاث نتعلم المزيد عن هذه النظم المذهلة»، يقول كوستكا. «دائمًا هناك جديد».

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading