موجة حر غير مسبوقة تضرب القطب الجنوبي في قلب الشتاء
ارتفاعات تصل إلى 28 درجة فوق المعدل تكشف تسارع تأثير تغير المناخ على أنتاركتيكا
في حدث مناخي غير معتاد يثير القلق العلمي، شهدت القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) موجة حر شديدة خلال شتاء عام 2024، في فترة يفترض أن تكون من أبرد أوقات العام على الكوكب.
ووفقًا لدراسة حديثة نُشرت في مجلة npj Climate and Atmospheric Science، ارتفعت درجات الحرارة في أجزاء من شرق القارة بما يصل إلى 28 درجة مئوية فوق المعدلات الطبيعية، واستمر هذا الوضع لأكثر من أسبوعين.
ويشير الباحثون إلى أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد “تغيرات جوية استثنائية”، بل أصبحت مؤشرًا واضحًا على إعادة تشكيل النظام المناخي للقطب الجنوبي تحت تأثير الاحترار العالمي.

حدث مناخي غير مسبوق في بيئة متجمدة
عادةً ما تنخفض درجات الحرارة في أنتاركتيكا خلال الشتاء إلى ما دون 30 درجة مئوية تحت الصفر، إلا أن موجة الحر في يوليو وأغسطس 2024 كسرت هذه القاعدة بالكامل.
وقد أظهرت البيانات:
- ارتفاعات حرارية تصل إلى +28°C فوق المعدل
- استمرار الظاهرة لأكثر من 14 يومًا
- امتداد التأثير على مساحات واسعة من شرق القارة
وللمقارنة، فإن هذا النوع من الشذوذ الحراري في دول مثل المملكة المتحدة كان سيرفع درجات الحرارة الشتوية إلى منتصف الثلاثينات.

كيف تشكلت موجة الحر؟
توضح الدراسة أن الحدث نتج عن سلسلة معقدة من الاضطرابات الجوية في الغلاف الجوي العلوي، أبرزها:
1) ضعف الدوامة القطبية : الدوامة القطبية (Polar Vortex) التي تحبس الهواء البارد فوق القارة ضعفت بشكل ملحوظ، مما سمح بتسرب الدفء.
2) تسخين طبقة الستراتوسفير: شهدت طبقات الجو العليا ارتفاعًا حراريًا تجاوز 15 درجة مئوية، مع ذروتين خلال يوليو وأغسطس.
3) الأنهار الجوية (Atmospheric Rivers): تشكلت تيارات طويلة من الهواء الدافئ والرطب قادمة من خطوط عرض أدنى، اندفعت نحو القارة القطبية الجنوبية.
4) تأثير السحب: عملت السحب المصاحبة لهذه الأنظمة كـ”غطاء حراري”، حيث:
- احتجزت الحرارة قرب السطح
- منعت فقدانها إلى الفضاء
دور المحيط والجليد البحري
أضافت الدراسة عاملًا مهمًا آخر يتمثل في:
- انخفاض قياسي في الجليد البحري حول القارة
- ارتفاع غير طبيعي في حرارة المحيط الجنوبي
هذه الظروف ساعدت على:
- تعزيز تدفق الهواء الدافئ
- استمرار موجة الحر لفترة أطول من المتوقع

هل كانت ظاهرة طبيعية أم نتيجة تغير المناخ؟
رغم وجود عوامل طبيعية ساهمت في بدء الحدث، إلا أن النماذج المناخية أوضحت أن:
- تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري جعل موجة الحر أكثر شدة
- كما جعل حدوثها أكثر احتمالًا بكثير مما كان عليه في الماضي
وتشير التقديرات إلى أن هذه الظواهر قد تصبح:
- أكثر تكرارًا بـ20 مرة بحلول نهاية القرن
- في حال استمرار مستويات الانبعاثات الحالية
لماذا يعتبر ما يحدث في أنتاركتيكا خطيرًا عالميًا؟
رغم أن القارة القطبية الجنوبية تبدو بعيدة عن حياة البشر اليومية، إلا أن تأثيراتها تمتد عالميًا، لأنها تحتوي على:
- أكبر مخزون من المياه العذبة في العالم
- صفائح جليدية ضخمة تتحكم في مستوى البحار
التأثيرات المحتملة:
- تسارع ذوبان الجليد السطحي
- ضعف الأرفف الجليدية التي تدعم الأنهار الجليدية
- زيادة تدفق الجليد نحو المحيط
- ارتفاع مستوى سطح البحر عالميًا

ما الذي تكشفه هذه الموجة من تغير المناخ؟
توضح الدراسة أن تغير المناخ لا يغير فقط “متوسط درجات الحرارة”، بل:
- يزيد من شدة الظواهر المناخية المتطرفة
- يعيد تشكيل أنماط الغلاف الجوي
- يجعل الأحداث النادرة أكثر احتمالًا
بمعنى أن النظام المناخي لم يعد يعمل ضمن حدود الاستقرار السابقة.
دلالة أوسع للعالم
ما يحدث في أنتاركتيكا يعكس حقيقة مناخية مهمة:
حتى أكثر مناطق الأرض برودة وعزلة لم تعد بمنأى عن تأثير الاحترار العالمي.
وتؤكد الدراسة أن التغيرات في القطب الجنوبي ليست محلية، بل:
- ترتبط بارتفاع مستوى البحار
- وتؤثر في أنماط الطقس العالمية
- وتنعكس على استقرار المناخ العالمي ككل

خاتمة
تكشف موجة الحر غير المسبوقة في أنتاركتيكا أن التغير المناخي لم يعد ظاهرة مستقبلية، بل واقعًا يعيد تشكيل أكثر مناطق الأرض تطرفًا وبرودة.
ومع استمرار ارتفاع الانبعاثات، يصبح من المرجح أن تتحول مثل هذه الأحداث من استثناء نادر إلى جزء متكرر من النظام المناخي العالمي، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على السواحل والسكان والأنظمة البيئية حول العالم.





