كيف تحولت أكبر مشروعات استعادة المانجروف في السنغال إلى بيع «كربون وهمي»؟
«الكربون الشبح».. فشل زراعة المانجروف يثير تساؤلات حول مصداقية أسواق الكربون
كشفت دراسة حديثة عن ثغرات كبيرة في أحد أبرز مشروعات استعادة غابات المانجروف في السنغال، بعدما تبين أن جزءًا كبيرًا من الأشجار المزروعة لم ينجح في النمو، بينما استمرت حسابات أرصدة الكربون وكأن المشروع حقق أهدافه بالكامل، ما أدى إلى بيع ما وصفه الباحثون بـ«الكربون الشبح» أو الوهمي.
وتُعد غابات المانجروف من أكثر النظم البيئية كفاءة في امتصاص وتخزين ثاني أكسيد الكربون، ما جعلها عنصرًا أساسيًا في ما يعرف بـ«الحلول القائمة على الطبيعة» لمواجهة تغير المناخ.
وتسمح هذه المشروعات بإصدار أرصدة كربونية يمكن للشركات شراؤها لتعويض جزء من انبعاثاتها، حيث يمثل كل رصيد طنًا واحدًا من ثاني أكسيد الكربون تم تجنبه أو إزالته من الغلاف الجوي.

مشروع طموح لزراعة ملايين الشتلات
بدأ مشروع استعادة المانجروف في السنغال عام 2008 بهدف إعادة تأهيل أكثر من 10 آلاف هكتار من المناطق الساحلية عبر زراعة ملايين شتلات المانجروف.
واعتمد المشروع على نموذج «الكربون الأزرق»، الذي يهدف إلى تمويل استعادة النظم البيئية الساحلية والبحرية من خلال بيع أرصدة الكربون الناتجة عن قدرة هذه النظم على امتصاص الكربون وتخزينه.
وكان من المتوقع أن توفر هذه الآلية فوائد بيئية واقتصادية في الوقت نفسه، من خلال تحسين النظم البيئية الساحلية وتوفير دخل للمجتمعات المحلية المشاركة في عمليات الزراعة.

نتائج ميدانية مختلفة عن التوقعات
لكن فريقًا من الباحثين المتخصصين في دراسة غابات المانجروف، بالاعتماد على صور الأقمار الصناعية والمسوحات الميدانية ومقابلات مع المجتمعات المحلية، توصل إلى نتائج مغايرة للتقديرات الرسمية.
وأظهرت الدراسة أن:
– 36% من مواقع الزراعة فشلت بالكامل ولم تنجُ فيها أي أشجار مانجروف.
– معدلات النجاح في المواقع الأخرى تفاوتت بشكل كبير، من أقل من 5% إلى نجاح كامل في بعض المواقع.
– إجمالي نسبة بقاء الأشجار المزروعة تراوحت بين 18.3% و20.5% فقط من إجمالي الشتلات المزروعة.
ويرى الباحثون أن أحد الأسباب الرئيسية للفشل يعود إلى اختيار مواقع غير مناسبة بيئيًا لزراعة المانجروف، حيث زُرعت أعداد كبيرة من الشتلات في أراضٍ طينية مالحة لا تغمرها مياه المد بصورة منتظمة، وهو شرط أساسي لنمو هذه الأشجار.
كما تمت زراعة بعض المواقع على مسافات وصلت إلى 9 كيلومترات بعيدًا عن غابات المانجروف الطبيعية القائمة، ما قلل فرص نجاح الاستعادة البيئية.

أين حدث الخطأ في حساب الكربون؟
في عام 2020 اعتمدت هيئة Verra مجموعة من أرصدة الكربون الناتجة عن المشروع.
واستندت التقديرات إلى قياسات ميدانية لارتفاع الأشجار الناجحة في عينات محددة، ثم جرى تعميم النتائج على كامل مساحة المشروع البالغة 10 آلاف هكتار، مع افتراض أن معظم الشتلات نجحت في النمو.
لكن الباحثين أوضحوا أن هذا الافتراض لم يعكس الواقع، إذ لم تؤخذ معدلات الفشل المرتفعة في الاعتبار بشكل كافٍ عند تقدير كمية الكربون المخزنة.
وباستخدام بيانات الأقمار الصناعية، توصل الفريق إلى أن كمية الكربون المخزنة فعليًا أقل بكثير من التقديرات المعتمدة سابقًا.
فجوة قد تصل قيمتها إلى ملايين الدولارات
قدرت الدراسة أن الفرق بين الكمية الفعلية للكربون المخزن والتقديرات المستخدمة في إصدار أرصدة الكربون يصل إلى نحو 168 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون.
وبحسب أسعار أسواق الكربون الحالية، فإن هذه الفجوة قد تعادل قيمة مالية تتراوح بين مليوني و7 ملايين دولار أمريكي.
ويرى الباحثون أن هذا الفارق يمثل أرصدة كربونية جرى احتسابها على أساس كربون لم يتم تخزينه فعليًا، وهو ما أطلقوا عليه اسم «الكربون الشبح».

تداعيات على مصداقية أسواق الكربون
يحذر الباحثون من أن المبالغة في تقدير الكربون المحتجز داخل المشروعات البيئية قد تؤدي إلى اعتقاد الشركات بأنها عوضت جزءًا من انبعاثاتها، بينما تظل هذه الانبعاثات موجودة في الغلاف الجوي فعليًا.
كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى تقويض الثقة العامة في مشروعات الاستعادة البيئية وأسواق الكربون، رغم ما توفره هذه المبادرات من فوائد حقيقية لحماية التنوع البيولوجي وتحسين الظروف المعيشية للمجتمعات المحلية.
دعوات لتعزيز الرقابة
خلصت الدراسة إلى ضرورة تشديد معايير التحقق والمراقبة الخاصة بمشروعات الكربون الأزرق، مع اعتماد تقييمات مستقلة لمعدلات نجاح أو فشل عمليات الاستعادة البيئية.
وأكد الباحثون أن استعادة غابات المانجروف تظل من أكثر الأدوات الطبيعية فعالية في مواجهة تغير المناخ، لكن نجاحها يتطلب أن تستند حسابات الكربون إلى بيانات واقعية وشفافة وقابلة للتحقق.





