أحمد الطلحي: حرائق اللاذقية تكشف الحاجة إلى جيوش مدنية لمواجهة الكوارث
خبير في البيئة والتنمية- المغرب
بعد عشرة أيام من انتشار حرائق غابات اللاذقية، تمكنت قوات الدفاع المدني السورية من إخمادها، وذلك بدعم من الدول المجاورة، وتحديدًا من الأردن ولبنان والعراق وقطر وتركيا، بالإضافة إلى الدعم التقني الأوروبي عبر تفعيل خدمة “كوبرنيكوس” التي وفّرت خرائط الأقمار الصناعية التي ساعدت في توجيه عمليات التدخل.
أما بالنسبة للخسائر الظاهرة، فقد تجاوزت الأراضي المحروقة 15 ألف هكتار، فضلًا عن الخسائر في الممتلكات الخاصة. في حين تتمثل الخسائر غير الظاهرة في الكميات الكبيرة من الغازات الدفيئة التي أفرزتها الحرائق، وهي غازات تسهم بلا شك في احترار الأرض والتغيرات المناخية المصاحبة له. كما أن تقلص المساحات الغابوية يفاقم المشكلة، لأن الغابات تمتص كميات مهمة من غاز ثاني أكسيد الكربون.
كذلك أسفرت الحرائق عن فقدان جزء مهم من التنوع البيولوجي للمنطقة، إذ تمثل الغابات موائل طبيعية حيوية لعدد كبير من الأنواع النباتية والحيوانية.
ويمكن إرجاع الفضل في السيطرة على هذه الحرائق، رغم فداحة الخسائر، إلى الدعم الدولي الكبير الذي تلقته سوريا. وهذا يدعونا إلى التأكيد على أهمية تعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحة الكوارث الطبيعية.
غير أن هذا التعاون لا ينبغي أن يظل ظرفيًا، يُفعَّل فقط عند وقوع الكوارث، بل يجب أن يتطور إلى تعاون دائم، منظم ومقنن، من خلال منظمات أو تحالفات إقليمية.
وفي هذا السياق، أقترح تشكيل جيوش مدنية دولية على مستوى كل إقليم من أقاليم العالم، تكون في حالة جهوزية دائمة، وتُدار عبر تنسيق محكم بين مختلف المتدخلين. وقد استعرت لفظ “جيوش” من دعوة سابقة للملك المغربي الراحل الحسن الثاني، حين اقترح تشكيل جيش دولي لمكافحة الجراد.
وينبغي ألا تقتصر مهام هذه الجيوش المدنية على التدخل وقت وقوع الكوارث، بل يجب أن تشمل أيضًا مهامًا استباقية وتقييمية، مثل:
- تنظيم دورات تكوينية وتدريبية مشتركة
- إجراء مناورات مشتركة
- اقتناء آليات ومعدات في ملكية مشتركة، كإنشاء أسطول إقليمي للطائرات المتخصصة في إطفاء الحرائق
- توحيد التشريعات المنظمة لتدخلات مواجهة الكوارث
- هيكلة مرنة تُحدّث فيها القيادات دوريًا
- تخصيص ميزانيات مشتركة
- تنظيم اجتماعات دورية لتقييم كل عملية بعد انتهائها
وهناك نماذج دولية يمكن الاستفادة منها، سواء في نجاحاتها أو إخفاقاتها، مثل التعاون الإقليمي لمكافحة الجراد ضمن هيئات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، ومنها:
هيئة مكافحة الجراد الصحراوي في المنطقة الوسطى، والقوة المشتركة في المنطقة الغربية لإفريقيا.
وأختم بما أعتبره قاعدة ذهبية لا أملّ من تكرارها والدعوة لتبنيها:
“الدول أكبر من المشاكل الصغرى وأصغر من المشاكل الكبرى”.
فالمشاكل المحلية يجب أن تُترك للمؤسسات المحلية كالمجالس البلدية ومنظمات المجتمع المدني، لأن محاولة الدولة المركزية التدخل في كل صغيرة قد يؤدي إلى غرقها في التفاصيل دون تحقيق نتائج فعالة. أما المشاكل الكبرى، سواء العابرة للحدود أو الناجمة عن أسباب عالمية مثل التغير المناخي أو الأوبئة، فهي تتجاوز قدرة أي دولة، مهما كانت قوية وغنية، على مواجهتها منفردة.






This is exactly the kind of content I’ve been searching for.