النينيو تهدد العالم بأزمة صحية.. أمراض معدية وسوء تغذية ومخاطر قاتلة من الحر
من تفشي الأمراض إلى المجاعة والإجهاد الحراري.. النينيو تضع الأنظمة الصحية أمام اختبار صعب
تتزايد التحذيرات من التداعيات الصحية المحتملة لظاهرة النينيو، التي قد تؤدي إلى تفاقم موجات الحر والجفاف والفيضانات، وتزيد مخاطر انتشار الأمراض المعدية وسوء التغذية، خصوصًا في المجتمعات الأكثر تعرضًا للتقلبات المناخية.
وفي وقت تتيح فيه التنبؤات المناخية رصد تطور الظاهرة قبل أشهر من وصول آثارها إلى كثير من المناطق، يحذر باحثون من أن العالم لا يستغل هذه المهلة بالقدر الكافي للاستعداد، وأن ضعف التنسيق بين علماء المناخ وخبراء الصحة العامة ونقص التمويل قد يحدان من قدرة الدول على حماية السكان.
وتدعو دراسة قادها باحثون من جامعة بريستول البريطانية إلى تحويل التنبؤات المبكرة إلى إجراءات صحية محددة، مع تحسين فهم العلاقة بين آثار النينيو الطبيعية وتداعيات الاحترار العالمي الناجم عن الأنشطة البشرية. ونُشرت الدراسة في دورية «ذا لانسيت» (The Lancet).
النينيو.. ظاهرة مناخية تتجاوز المحيط الهادئ
تحدث ظاهرة النينيو على فترات تتراوح عادة بين عامين وسبعة أعوام، وترتبط بارتفاع غير معتاد في درجات حرارة سطح المياه في الجزء الأوسط والشرقي من المحيط الهادئ الاستوائي، بما يؤدي إلى تغيرات في أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة في مناطق متباعدة من العالم.
وتختلف آثارها من منطقة إلى أخرى؛ فقد تسهم في زيادة الأمطار والفيضانات في بعض المناطق، بينما ترتبط بالجفاف وارتفاع درجات الحرارة في مناطق أخرى.
ويمكن لهذه التحولات أن تؤثر في الزراعة وإمدادات المياه والأمن الغذائي، فضلًا عن الظروف التي تساعد على انتشار بعض الأمراض.
وتشير المادة البحثية إلى توقعات بحدوث ظاهرة نينيو قوية، مع تقديرات محتملة لشذوذ درجة حرارة سطح البحر تصل إلى 3.9 درجات مئوية فوق المعدل المرجعي المستخدم في التوقعات.
وإذا تحقق هذا التقدير، فسيكون أعلى من الرقم القياسي البالغ 2.75 درجة مئوية المسجل خلال ظاهرة النينيو في عامي 2015 و2016.
لكن هذه الأرقام تمثل توقعات وليست قياسات نهائية لحدث مكتمل، كما أن تفسير شدّة النينيو يعتمد على المؤشر المستخدم والفترة المرجعية التي تُقاس مقارنةً بها درجات حرارة المحيط.
ويأتي أي حدث قوي جديد في عالم ارتفعت حرارته بالفعل بفعل تراكم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وهو ما قد يزيد المخاطر الصحية في بعض المناطق عندما تتزامن التقلبات الطبيعية مع الاحترار طويل الأمد.
وقالت روبي ليبر، إحدى الباحثات المشاركات في قيادة الدراسة، إن بعض المناطق قد تواجه ظروفًا مناخية شديدة تستدعي فهم المخاطر الخاصة بكل دولة ومجتمع، بدلًا من الاعتماد على تقديرات عامة لا تعكس الاختلافات المحلية.

كيف تتحول النينيو إلى أزمة صحية؟
لا تقتصر المخاطر الصحية المرتبطة بالنينيو على ارتفاع درجات الحرارة؛ إذ يمكن أن تؤثر التغيرات في الأمطار والحرارة وتوافر المياه والغذاء في صحة السكان بطرق متعددة.
الأمراض المعدية: يمكن للفيضانات أن تلوث مصادر مياه الشرب، وتزيد احتمالات التعرض لمسببات الأمراض المنقولة بالمياه.
وفي المقابل، قد تغير الحرارة والأمطار أنماط تكاثر البعوض والحشرات الناقلة للأمراض، ما يؤثر في توزيع بعض الأمراض المنقولة بالنواقل.
لكن طبيعة التأثير تختلف بحسب نوع المرض والبيئة المحلية وقدرة أنظمة الصحة على الوقاية والرصد.
سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي: قد يؤدي الجفاف أو الفيضانات أو اضطراب مواسم الزراعة إلى تراجع إنتاج المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء وصعوبة الحصول على وجبات كافية ومتنوعة. ويكون الأطفال والمجتمعات التي تعاني أصلًا من ضعف الأمن الغذائي أكثر عرضة للعواقب الصحية.
الأمراض المرتبطة بالحرارة: يمكن أن تزيد درجات الحرارة المرتفعة مخاطر الإجهاد الحراري والجفاف ومضاعفات الأمراض المزمنة، كما قد ترفع احتمالات الوفاة، خصوصًا بين كبار السن والعاملين في الخارج والأشخاص الذين لا تتوافر لهم وسائل مناسبة للتبريد أو الرعاية الصحية.
وتتداخل هذه المسارات أحيانًا؛ فقد يؤدي الجفاف إلى نقص المياه والغذاء، بينما تزيد موجات الحر الضغط على الخدمات الصحية، وقد تتزامن هذه المشكلات مع تفشي الأمراض أو تراجع قدرة الأسر على الحصول على العلاج.
ومع ذلك، لا تؤدي النينيو بالضرورة إلى أزمة صحية واسعة في كل مكان؛ إذ تتحدد النتائج بمدى شدة التأثير المناخي، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، والبنية التحتية، ومستوى الاستعداد الصحي.
المشكلة العلمية: كيف نفصل أثر النينيو عن الاحترار العالمي؟
تتمثل إحدى الفجوات التي تناقشها الدراسة في صعوبة تحديد مقدار الضرر الصحي الذي يمكن إرجاعه إلى النينيو، مقابل الضرر المرتبط بالتغير المناخي طويل الأمد الناجم عن النشاط البشري.
فالظاهرتان ليستا شيئًا واحدًا، لكنهما قد تتفاعلان في التأثير على درجات الحرارة والأمطار والمخاطر الصحية.
ويمكن أن تزيد النينيو من حدة بعض الظروف المناخية في عالم أصبح أكثر دفئًا بفعل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
ويحاول مجال علم إسناد الظواهر المناخية، بما في ذلك دراسات إسناد الآثار الصحية، تقدير مدى مساهمة العوامل المختلفة في حدث معين أو في زيادة احتمال وقوعه.
وتساعد هذه الدراسات على التمييز بين التقلب الطبيعي للمناخ والتغيرات المرتبطة بالاحترار البشري، مع مراعاة أن النتائج لا تكون دائمًا قابلة للفصل بدقة كاملة.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية عملية؛ إذ إن معرفة العوامل التي ساهمت في تفشي مرض أو تدهور الأمن الغذائي يمكن أن تساعد الحكومات على توجيه الموارد إلى التدخلات الأكثر فاعلية، وتطوير خطط استعداد تتناسب مع المخاطر المتوقعة.
كما يمكن أن توفر أدلة علمية تدعم النقاشات المتعلقة بتمويل التكيف مع تغير المناخ والتعويض عن الخسائر والأضرار، حيث يصبح تحديد مساهمة التغير المناخي في الضرر مسألة ذات أبعاد علمية وسياسية وقانونية.
خمسة مسارات للاستعداد قبل وقوع الأضرار
تقترح الدراسة مجموعة من الإجراءات لتحويل التنبؤات المناخية إلى حماية فعلية للصحة العامة، بدلًا من انتظار تفاقم الأضرار ثم التعامل معها بعد وقوعها.
أولًا: التحرك الدولي المبكر. تدعو الدراسة المؤسسات الدولية إلى التعامل مع حماية الصحة باعتبارها أولوية فور الإعلان الرسمي عن ظاهرة النينيو، وتنسيق الاستجابات الصحية والإنسانية في المناطق المعرضة للخطر.
ثانيًا: دعم الحكومات في تقييم المخاطر المحلية. فالتأثير المتوقع في بنجلاديش قد يختلف عن آثاره في بيرو أو شرق أفريقيا، لذلك تحتاج الدول إلى دعم فني ومالي يساعدها على تحديد السكان الأكثر تعرضًا للخطر، وتطوير أنظمة إنذار مبكر تراعي طبيعة الأمراض والموارد والخدمات الصحية في كل منطقة.
ثالثًا: تعزيز التعاون بين علماء المناخ وخبراء الصحة. تحتاج التوقعات المناخية إلى أن تُترجم إلى معلومات قابلة للاستخدام من جانب المستشفيات والجهات الصحية والسلطات المحلية، بما يسمح بالاستعداد لموجات الحر أو الفيضانات أو المخاطر المرتبطة بالأمراض قبل تفاقمها.
رابعًا: متابعة الآثار الصحية بصورة مستمرة. بدلًا من إجراء دراسات متفرقة بعد كل حدث كبير، توصي الدراسة بتتبع الأدلة الصحية والمناخية بصورة متواصلة، وتحديث المراجعات العلمية باستمرار حتى تظل المعلومات المتاحة لصناع القرار مواكبة لأحدث النتائج.
خامسًا: تقييم كلفة التدخلات وفاعليتها. تحتاج الحكومات إلى معرفة التدابير التي تحقق أكبر فائدة صحية مقابل تكلفتها، سواء تعلّق الأمر بأنظمة الإنذار المبكر أو حماية مصادر المياه أو توفير وسائل التبريد أو دعم الأمن الغذائي أو تعزيز مراقبة الأمراض.
وتعكس هذه التوصيات مبدأ أساسيًا في إدارة مخاطر المناخ: التنبؤ وحده لا يحمي السكان ما لم يرتبط بخطط واضحة ومسؤوليات محددة وموارد كافية لتنفيذها.

فجوة التمويل تعرقل الاستعداد
يمثل التمويل أحد التحديات الرئيسية أمام الاستعداد للمخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ. فالتكيف مع تغير المناخ يتطلب استثمارات في البنية التحتية والخدمات الصحية وإمدادات المياه وأنظمة الإنذار، في وقت تواجه فيه دول كثيرة فجوة بين احتياجاتها التمويلية والموارد المتاحة.
وترى الدراسة، أن تحسين علم إسناد الآثار المناخية والصحية يمكن أن يساعد على توجيه التمويل المحدود إلى المناطق والتدخلات الأكثر احتياجًا، كما قد يعزز قدرة الدول على إعداد طلبات مدعومة بالأدلة للحصول على تمويل من آليات دولية، من بينها صندوق الاستجابة للخسائر والأضرار المنشأ في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
ويمكن أن تكون هذه الأدلة ذات أهمية أيضًا في القضايا القانونية التي تتطلب تقييم الصلة بين التغير المناخي والأضرار الواقعة، مع بقاء تحديد المسؤولية القانونية مسألة تحتاج إلى أدلة ومعايير تتجاوز نتائج الدراسات العلمية وحدها.
وقالت ليبر إن مواجهة التحدي تتطلب تعاونًا منسقًا بين جهات تمويل البحوث ومنظمة الصحة العالمية ومنظومة الأمم المتحدة والبنك الدولي والمنظمات غير الحكومية، للاستفادة من التقدم في علم إسناد الظواهر والآثار المناخية.
الإنذار المبكر فرصة لا ينبغي إهدارها
يؤكد الباحثون، أن النينيو ليست كارثة مفاجئة بالكامل؛ فالتنبؤات قد تمنح السلطات الصحية والحكومات أشهرًا للاستعداد، وهي مهلة يمكن استخدامها لتجهيز الإمدادات الطبية، وتعزيز مراقبة الأمراض، وحماية مصادر مياه الشرب، وتوعية الفئات الأكثر عرضة للحرارة، والاستعداد لاحتمالات تراجع المحاصيل أو اضطراب الإمدادات الغذائية.
وقال دان ميتشل، أحد الباحثين المشاركين من جامعة بريستول، إن توحيد جهود علماء المناخ والصحة، بدعم كامل من الجهات الوطنية والدولية، يمكن أن يوسع قاعدة الأدلة اللازمة لتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود وتنفيذ استراتيجيات التكيف.
وتشدد الدراسة على أن الدول الأكثر تعرضًا للمخاطر تحتاج إلى دعم يتناسب مع ظروفها، لا إلى استجابات موحدة تتجاهل اختلاف المناخ والبنية الصحية ومستويات الفقر والأمن الغذائي.
والرسالة الأساسية هي أن الاستعداد الصحي ينبغي أن يبدأ قبل وصول التأثيرات المناخية، لا بعد تحولها إلى حالات مرضية ووفيات وخسائر اقتصادية. فالتنبؤ المبكر يتيح فرصة للتحرك، لكن تحويل هذه الفرصة إلى حماية فعلية يتطلب بيانات أفضل وتعاونًا بين القطاعات وتمويلًا يضمن تنفيذ التدابير في الوقت المناسب.





