غذاؤنا يفقد قيمته الغذائية.. وأدوية إنقاص الوزن قد تزيد نقص المعادن والفيتامينات
القمح فقد 49% من الزنك و27% من الحديد.. كيف يهدد تراجع المغذيات صحة الإنسان؟
تثير التغيرات التي طرأت على القيمة الغذائية للمحاصيل الزراعية مخاوف متزايدة بشأن قدرة الأنظمة الغذائية الحديثة على توفير احتياجات الإنسان من المعادن الأساسية، خاصة مع انتشار استخدام أدوية إنقاص الوزن التي تساعد على تقليل الشهية وتناول كميات أقل من الطعام.
وتشير بيانات مستمدة من تجارب زراعية طويلة الأجل في إنجلترا إلى أن القمح الحديث يحتوي على كميات أقل من بعض المعادن المهمة، مقارنة بمحاصيل زُرعت في فترات سابقة.
وفي الوقت نفسه، يحذر تقرير جديد من أن انخفاض استهلاك الطعام لدى مستخدمي أدوية إنقاص الوزن قد يزيد احتمالات عدم الحصول على كميات كافية من العناصر الغذائية الأساسية.
وأعد التقرير باحثون من مؤسسة «Deep Science Ventures»، المتخصصة في تطوير الشركات القائمة على الابتكارات العلمية، بالتعاون مع جهات أخرى.
ويطرح التقرير تساؤلات بشأن العلاقة بين تراجع كثافة المغذيات في المحاصيل الزراعية وتغير أنماط الاستهلاك الغذائي.
لكن من المهم الإشارة إلى أن بعض النتائج الواردة في التقرير تستند إلى نماذج حاسوبية وتقديرات افتراضية، ولم تخضع الدراسة لمراجعة علمية محكمة عبر دورية أكاديمية، ولذلك لا ينبغي التعامل مع توقعاتها باعتبارها أعدادًا مؤكدة للأشخاص الذين سيصابون بنقص غذائي أو مشكلات صحية.

القمح الحديث يحتوي على معادن أقل
استند التقرير إلى بيانات مجموعة تاريخية من عينات القمح احتفظ بها مركز «روثامستد للأبحاث» في إنجلترا، ضمن تجارب زراعية بدأت عام 1845.
وأظهرت التحليلات أن مستويات الزنك والحديد في القمح ظلت مستقرة نسبيًا لأكثر من قرن، قبل أن تبدأ في التراجع بعد ظهور أصناف أقصر من نبات القمح خلال ستينيات القرن الماضي.
وقد ساعدت هذه الأصناف على زيادة إنتاج الحبوب، ما أسهم في توفير كميات أكبر من القمح المستخدم في صناعة الخبز والحبوب الغذائية وغيرها من المنتجات بأسعار مناسبة.
لكن زيادة الإنتاج لم يصاحبها ارتفاع مماثل في محتوى الحبوب من المعادن. ووفقًا للبيانات التي يستند إليها التقرير، احتوى القمح المزروع في أوائل الألفية الثالثة على كميات أقل من الزنك وصلت إلى 49%، وكميات أقل من الحديد وصلت إلى 27%، مقارنة بعينات أقدم.
ولا تعني هذه النسب أن جميع أصناف القمح الحديثة فقدت المعادن بالمقدار نفسه، إذ تختلف النتائج باختلاف الأصناف وظروف الزراعة والفترات الزمنية المستخدمة في المقارنة.
كما لم تُشر النتائج إلى أن التربة استنفدت هذه المعادن بالكامل، بل رجحت أن التغيرات في صفات النباتات الناتجة عن برامج التربية والانتخاب الزراعي أسهمت في اتساع الفجوة بين زيادة إنتاج الحبوب ومحتواها المعدني.
وفي تحليل آخر أُشير إليه في التقرير، تبين أن أقل من ثلث أصناف قمح الخبز التي طُرحت منذ ستينيات القرن الماضي حققت مستوى مستهدفًا لمحتوى الزنك يرتبط بالاحتياجات الصحية للإنسان.
وتطرح هذه النتائج تحديًا أمام برامج تحسين المحاصيل، التي ركزت تقليديًا على زيادة الإنتاجية ومقاومة الأمراض وتحسين الصفات الزراعية، مع الحاجة إلى إيلاء اهتمام أكبر للقيمة الغذائية للحبوب.

هل عوضت زيادة استهلاك الطعام تراجع المعادن؟
يفترض معدّو التقرير أن زيادة توافر الغذاء واستهلاك كميات أكبر منه ربما عوضت جزئيًا انخفاض تركيز بعض المعادن في المحاصيل.
فإذا احتوى كل 100 جرام من الغذاء على كمية أقل من الحديد أو الزنك، فإن تناول كمية أكبر منه قد يوفر جزءًا من الفارق، بشرط توافر العناصر الغذائية في الطعام المستهلك.
ويشير التقرير إلى أن متوسط المعروض العالمي من الغذاء ارتفع بنسبة 38% بين عامي 1961 و2023، وهو ما يتوافق مع فرضية أن وفرة الغذاء ربما ساعدت على تعويض بعض التراجع في كثافة المغذيات.
لكن هذا الارتباط لا يثبت أن زيادة المعروض الغذائي عوضت بالفعل انخفاض المعادن لدى السكان، إذ تتأثر التغذية أيضًا بنوعية الطعام وتنوعه وتوزيعه وإمكانية الحصول عليه واحتياجات الأفراد المختلفة.
كما أن الاعتماد على زيادة كميات الطعام لتعويض انخفاض قيمته الغذائية قد يحمل تحديات صحية أخرى، خصوصًا إذا ارتبطت الزيادة باستهلاك أطعمة مرتفعة السعرات وفقيرة نسبيًا في المغذيات الأساسية.
وفي هذا السياق، يذكر التقرير أن معدلات السمنة عالميًا تضاعفت أكثر من مرتين بين عامي 1990 و2022، ما يعزز أهمية التركيز على جودة الغذاء، وليس كميته أو عدد السعرات الحرارية التي يوفرها فقط.
أدوية إنقاص الوزن قد تجعل جودة الطعام أكثر أهمية
تؤدي أدوية مثل «أوزمبيك» و«مونجارو» دورًا في علاج بعض حالات السمنة والسكري، من خلال التأثير في مسارات هرمونية مرتبطة بتنظيم الشهية والشعور بالشبع وإفراغ المعدة.
ويعمل دواء «سيماغلوتايد»، المستخدم في أوزمبيك، من خلال محاكاة تأثير هرمون طبيعي يُعرف باسم الببتيد الشبيه بالجلوكاجون-1 (GLP-1)، بينما ينشط دواء «تيرزيباتيد»، المستخدم في مونجارو، مستقبلات هرموني GLP-1 وGIP.
وتساعد هذه الأدوية بعض الأشخاص على تناول كميات أقل من الطعام، وهو ما يمكن أن يدعم فقدان الوزن عند استخدامها وفقًا للإرشادات الطبية.
لكن انخفاض كمية الطعام المستهلكة قد يعني أيضًا تراجع كمية الفيتامينات والمعادن التي يحصل عليها الجسم، خاصة إذا كان النظام الغذائي محدود التنوع أو منخفض القيمة الغذائية قبل بدء العلاج.
وفي تجربة سريرية أشار إليها التقرير، تناول بالغون مصابون بالسمنة ويتلقون سيماغلوتايد سعرات حرارية أقل بنحو 35% مقارنة بالمشاركين الذين تلقوا علاجًا وهميًا.
كما استشهد التقرير بمسح غذائي نُشر عام 2025، وجد أن جميع المشاركين تقريبًا الذين شملهم المسح وكانوا يستخدمون هذه الأدوية تناولوا كميات من البوتاسيوم أقل من المستويات الموصى بها، فيما لم يحصل معظمهم على كميات كافية من الحديد.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن الأدوية وحدها تسببت في هذه الفجوات الغذائية، إذ ربما كان بعض المشاركين يعانون من أنماط غذائية غير متوازنة قبل بدء العلاج، كما أن نتائج المسح لا تثبت بالضرورة انطباقها على جميع مستخدمي هذه الأدوية.
وتشير هذه النتائج إلى أهمية متابعة جودة النظام الغذائي خلال العلاج، بدلًا من التركيز على انخفاض الوزن أو السعرات الحرارية فقط.

ملايين الأشخاص قد يواجهون نقصًا في بعض العناصر الغذائية
استخدم معدّو التقرير بيانات من مسوح غذائية بريطانية لتقدير نسبة الأشخاص الذين ينخفض استهلاكهم من بعض المغذيات إلى مستويات متدنية قد تزيد احتمالات عدم كفاية المدخول الغذائي.
وأظهرت البيانات أن 45% من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و64 عامًا كانوا يستهلكون كميات من السيلينيوم تقل عن أحد المستويات المرجعية المنخفضة المستخدمة في التحليل، كما بلغت النسبة 34% بين النساء فيما يتعلق بالحديد.
بعد ذلك، وضع الباحثون سيناريو افتراضيًا يفترض أن 15% من البالغين في المملكة المتحدة سيستخدمون أدوية إنقاص الوزن، بالتزامن مع انخفاض إضافي بنسبة 15% في محتوى المحاصيل من المعادن بحلول عام 2050.
وبناءً على هذه الافتراضات، قدّر النموذج أن نحو 5 ملايين بالغ في سن العمل قد ينخفض استهلاكهم لعنصر غذائي واحد على الأقل إلى ما دون المستوى المرجعي المنخفض، مع بروز البوتاسيوم والسيلينيوم بين العناصر الأكثر تأثرًا.
لكن هذه الأرقام لا تمثل عدد الأشخاص الذين ثبتت إصابتهم بنقص غذائي أو مرض ناجم عنه، وإنما تقديرات لمستويات الاستهلاك المحتملة ضمن سيناريو محدد.
كما أشار التقرير إلى أحد أوجه القصور في المسوح الغذائية، وهو أن المشاركين قد يقللون من تقدير كميات الطعام التي يتناولونها عند الإبلاغ عنها. وحتى بعد إجراء تعديلات على هذه البيانات، أظهر النموذج أن ما يقرب من 3 ملايين بالغ قد يواجهون انخفاضًا في استهلاك البوتاسيوم عن المستوى المرجعي المستخدم في التحليل.

لماذا يحتاج الجسم إلى الحديد والبوتاسيوم والسيلينيوم؟
يؤدي الحديد دورًا أساسيًا في إنتاج الهيموجلوبين، البروتين الموجود في خلايا الدم الحمراء والمسؤول عن نقل الأكسجين إلى أنسجة الجسم. وقد يؤدي نقص الحديد إلى الإصابة بفقر الدم، الذي يمكن أن يتسبب في التعب وضعف القدرة على التركيز وانخفاض القدرة على أداء الأنشطة اليومية.
أما البوتاسيوم، فيساعد على تنظيم ضغط الدم، ويدعم وظائف العضلات والأعصاب، ويسهم في الحفاظ على توازن السوائل داخل الجسم. ويمكن أن تؤدي اضطرابات مستوياته إلى مشكلات صحية، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض معينة أو يتناولون أدوية تؤثر في توازن البوتاسيوم.
ويشارك السيلينيوم في وظائف متعددة، من بينها عمل بعض الإنزيمات المضادة للأكسدة ودعم وظائف الغدة الدرقية والمناعة.
وتزداد أهمية تلبية الاحتياجات الغذائية خلال فترات معينة من الحياة. ففي أثناء الحمل، يمكن أن يؤدي نقص الحديد أو اليود أو الفولات إلى مخاطر صحية على الأم والجنين، ما يجعل التنوع الغذائي والمتابعة الصحية أمرين مهمين.
ومع ذلك، فإن تقييم الحالة الغذائية لا يعتمد على الاستهلاك المقدر وحده؛ إذ تختلف الاحتياجات باختلاف العمر والجنس والحالة الصحية، وقد تتطلب معرفة وجود نقص فعلي إجراء تقييم طبي وفحوصات مناسبة.

تحسين المحاصيل لزيادة محتواها من المعادن
لا تقتصر الحلول المحتملة على تغيير سلوك المستهلك، بل يمكن أن تبدأ من الحقل، عبر تطوير أصناف زراعية تتمتع بقيمة غذائية أعلى وتحسين إدارة التربة والتسميد.
ووفقًا للتقرير، أظهرت تجارب زراعية أن إضافة الزنك والحديد إلى الأسمدة التقليدية رفعت محتوى حبوب القمح من الزنك بنسبة 27% ومن الحديد بنسبة 41%.
وتُعرف إحدى الاستراتيجيات المستخدمة لتحسين المحتوى الغذائي للمحاصيل باسم «التدعيم الحيوي»، وتشمل تطوير أصناف نباتية قادرة على امتصاص كميات أكبر من العناصر الغذائية أو نقلها إلى الجزء الصالح للأكل، إلى جانب تحسين الممارسات الزراعية.
وفي النموذج الذي أعدته مؤسسة «Deep Science Ventures»، أشار الباحثون إلى أن رفع مستويات بعض المغذيات في المحاصيل بنسبة تقل عن 50% قد يساعد على تعويض الأثر المحتمل لانخفاض استهلاك الطعام لدى 15% من البالغين في المملكة المتحدة الذين يستخدمون أدوية إنقاص الوزن.
لكن هذه النتيجة تظل تقديرًا مستمدًا من النموذج، وليست ضمانًا بأن أي زيادة محددة في محتوى المعادن ستمنع نقص التغذية لدى السكان.
ويتوقع معدّو التقرير أن تكون زيادة كثافة المغذيات في المحاصيل أكثر أهمية في البلدان منخفضة الدخل، حيث يعتمد كثير من السكان بدرجة أكبر على الحبوب والبقوليات في الحصول على المعادن الأساسية.
وتؤدي صحة التربة دورًا مهمًا في هذه المعادلة؛ إذ يمكن لتحسين خصوبتها وإدارة العناصر الغذائية فيها أن يدعم إنتاج المحاصيل وجودتها، مع ضرورة مراعاة اختلاف خصائص التربة والمناخ والمحاصيل من منطقة إلى أخرى.
وقالت سيان فيرغسون، المسؤولة التنفيذية في مؤسسة «Mark Leonard Trust»، التي تعاونت في التقرير، إن استعادة صحة التربة يمكن أن تساعد على تحسين كثافة المغذيات في الغذاء والإنتاجية الزراعية والقدرة على التكيف مع تغير المناخ.
وتعزز هذه الرؤية أهمية دمج الأمن الغذائي بالجودة الغذائية والاستدامة الزراعية، بدلًا من قياس نجاح الزراعة من خلال حجم المحصول وحده.

حدود التقرير.. ما الذي لا نعرفه بعد؟
رغم أهمية الأسئلة التي يطرحها التقرير، فإن نتائجه تحتاج إلى تفسير حذر.
فالنموذج يفترض أن جميع مستخدمي أدوية إنقاص الوزن سيقللون استهلاكهم من الطعام بنسبة ثابتة تبلغ 20%، بينما تختلف الاستجابة الفعلية للأدوية بين الأفراد، وقد تتغير كمية الطعام المستهلكة وتركيب النظام الغذائي بمرور الوقت.
كما أن معظم الأدلة طويلة الأجل التي استند إليها التقرير بشأن انخفاض محتوى المعادن تركز على القمح، ولا يمكن تعميم النتائج تلقائيًا على جميع المحاصيل أو جميع العناصر الغذائية.
وتخضع كميات المحاصيل المنتجة عادةً لعمليات قياس ومتابعة منتظمة، بينما لا يحظى محتوى الحبوب من المعادن بالمستوى نفسه من الرصد في جميع البرامج الزراعية.
ويعمل مركز «روثامستد للأبحاث» على إعداد تحليل محدث يغطي بيانات السنوات العشرين الأخيرة، وهو ما قد يساعد على توضيح مدى استمرار الاتجاهات السابقة أو تغيرها.
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن مؤسسة «Deep Science Ventures» لها مصالح في بعض الحلول المقترحة لتحسين التربة والزراعة، وهو عامل ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم توصيات التقرير، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن نتائجه غير صحيحة.
وبالتالي، يطرح التقرير قضية تستحق مزيدًا من البحث: كيف يمكن ضمان حصول الناس على ما يكفي من المغذيات الأساسية في وقت تتغير فيه المحاصيل وأنماط الاستهلاك الغذائي وأساليب علاج السمنة؟
وتتطلب الإجابة دراسات مستقلة وطويلة الأجل، وقياسات أكثر انتظامًا للقيمة الغذائية للمحاصيل، ومتابعة للحالة الغذائية لمستخدمي أدوية إنقاص الوزن.
ونُشر التقرير تحت عنوان «Hollow Harvests» بواسطة مؤسسة «Deep Science Ventures»، ويؤكد أهمية الانتقال من التركيز على إنتاج الغذاء وكمياته إلى الاهتمام بمحتواه الغذائي وقدرته على تلبية احتياجات الإنسان، مع الحفاظ على الإنتاجية الزراعية والاستدامة البيئية.





