أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

الصين تسابق الزمن للسيطرة على تكنولوجيا شرائح الدماغ.. علاج للشلل أم تهديد لخصوصية الإنسان؟

واجهة مباشرة بين الدماغ والكمبيوتر.. ثورة طبية محتملة وأسئلة أخلاقية صعبة

تفتح الصين جبهة جديدة في المنافسة التكنولوجية العالمية، عبر خطة طموحة لتطوير واجهات الدماغ والحاسوب، وهي تقنيات تتيح تحويل الإشارات العصبية إلى أوامر رقمية يمكن استخدامها للتحكم في أجهزة الكمبيوتر والهواتف، وقد تساعد بعض المرضى على استعادة قدر من التواصل والاستقلالية.

وتستهدف الخطة الصينية، وفق تقرير نشره موقع «فوتورا ساينس» في 30 ديسمبر 2025، تسريع الابتكار في هذا المجال خلال السنوات المقبلة، مع تحقيق إنجازات رئيسية بحلول عام 2027، وبناء صناعة قادرة على المنافسة عالميًا بحلول 2030.

وتأتي هذه الخطوة في سياق مساعي بكين لتوسيع نفوذها في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بعد التقدم الذي حققته في الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والروبوتات.

لكن السباق لا يتعلق فقط بمن يمتلك الشرائح الأكثر تطورًا؛ إذ يثير التقدم في تكنولوجيا الدماغ أسئلة حساسة حول حماية البيانات العصبية، وحدود استخدامها، وإمكانية انتقالها من التطبيقات الطبية إلى أنظمة المراقبة والتحكم.

كيف تعمل واجهات الدماغ والحاسوب؟

تعتمد واجهات الدماغ والحاسوب، المعروفة اختصارًا بـBCI، على التقاط أنماط من النشاط العصبي وتحليلها باستخدام خوارزميات متخصصة، ثم ترجمة الإشارات التي يتعرف عليها النظام إلى أوامر رقمية.

وفي التطبيقات الطبية، قد تساعد هذه التقنية بعض الأشخاص المصابين بالشلل أو فقدان القدرة على الكلام على التحكم في مؤشر على الشاشة أو التواصل مع الآخرين، بحسب نوع الجهاز وحالة المريض ومدى نجاح التدريب.

وتختلف هذه الأنظمة في طريقة عملها؛ فبعضها يستخدم أقطابًا كهربائية تُزرع داخل الجسم أو بالقرب من أنسجة الدماغ، بينما تعتمد أنظمة أخرى على مستشعرات خارجية لا تتطلب جراحة دماغية.

وتعمل الشركات والفرق البحثية على تطوير شرائح أكثر كفاءة، وأقطاب كهربائية متخصصة، وخوارزميات أفضل لفك ترميز الإشارات العصبية، إلى جانب استكشاف تقنيات الاستشعار الكهربائية والضوئية والمغناطيسية وغيرها.

وتكمن الصعوبة العلمية في أن الإشارات العصبية معقدة ومتغيرة، وأن ترجمتها إلى أوامر دقيقة وموثوقة تتطلب تقنيات متقدمة ومعايرة مستمرة، فضلًا عن ضمان سلامة الأجهزة المزروعة واستقرار أدائها.

تجارب بشرية صينية لتحويل الإشارات العصبية إلى كلام

يشير التقرير إلى أن عددًا من الشركات الصينية بدأ اختبار أجهزة فعلية على مرضى، في خطوة تتجاوز الأبحاث المعملية إلى تجارب تهدف إلى تقييم الاستخدام البشري.

ووفقًا للمادة، زرعت شركة NeuroXess جهازها لدى ستة مرضى؛ واستخدم نصفهم النظام للتحكم في الكمبيوتر، بينما تمكن النصف الآخر من تحويل إشارات عصبية إلى مخرجات كلامية باللغة الصينية.

كما اختبرت شركة NeuCyber NeuroTech جهازها «Beinao-1» لدى خمسة مرضى، أتاح لهم تشغيل أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية باستخدام الإشارات العصبية.

وتنقل المادة عن كبير العلماء في الشركة، مينمين لو، تقديره أن هذه التكنولوجيا قد تساعد في نهاية المطاف ما يصل إلى مليوني مريض في الصين.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن الأجهزة أصبحت متاحة على نطاق واسع أو أن فعاليتها ثبتت لجميع المرضى؛ فنتائج التجارب المبكرة تحتاج إلى تقييم سريري موسع، ومتابعة السلامة على المدى الطويل، والتحقق من قدرة المرضى على استخدام الأجهزة باستقرار في الحياة اليومية.

الصين تستهدف ريادة شرائح الدماغ بحلول 2030.

من علاج الإعاقات إلى مراقبة الإرهاق في أماكن العمل

لا تقتصر الرؤية الصينية على الشرائح المزروعة في الدماغ، بل تشمل أيضًا أجهزة استشعار يمكن ارتداؤها على الرأس أو الجبهة أو الأذنين، ودمجها في الخوذ وسماعات الرأس والنظارات الذكية.

ووفقًا للخطة التي يستعرضها التقرير، يمكن أن تمتد التطبيقات المحتملة إلى مراقبة مؤشرات مرتبطة باليقظة والإرهاق، وتطوير أنظمة إنذار في بيئات العمل عالية الخطورة، مثل المناجم ومحطات الطاقة النووية والمنشآت الكيميائية.

وفي هذه الحالات، قد تساعد المستشعرات على رصد مؤشرات تستدعي التنبيه إلى التعب أو فقدان الوعي أو بعض المخاطر الصحية، لكن دقة هذه التطبيقات وموثوقيتها تتوقفان على نوع المستشعر والإشارات التي يقيسها وطبيعة الظروف المحيطة.

كما يتصور التقرير إمكان استخدام بعض التقنيات مستقبلًا في رصد مؤشرات مبكرة مرتبطة بأمراض معينة، إلا أن تحويل هذه الإمكانات إلى أدوات تشخيصية موثوقة يتطلب أدلة سريرية مستقلة ومعايير واضحة للسلامة والخصوصية.

هل تستطيع الشرائح قراءة الأفكار؟

هنا تظهر إحدى أكثر القضايا حساسية في سباق واجهات الدماغ والحاسوب.

فالتقنيات الحالية لا تمنح الأجهزة قدرة عامة على قراءة كل ما يدور في ذهن الإنسان، ولا تستطيع ببساطة استخراج الأفكار الخاصة كما لو كانت نصًا محفوظًا داخل الدماغ.

تعتمد الأنظمة على تحليل أنماط عصبية محددة، وغالبًا ما تتطلب تدريبًا ومعايرة وفقًا للمهمة المطلوبة ولخصائص المستخدم. وقد تنجح بعض الأنظمة في فك ترميز محاولات الكلام أو أنماط مرتبطة بالحركة، لكنها لا تعني القدرة على كشف جميع الأفكار أو النوايا بصورة حرة ودقيقة.

ومع ذلك، فإن القدرة على استنتاج معلومات من النشاط العصبي تثير مخاوف حقيقية بشأن البيانات التي قد تكشفها هذه الأجهزة، وكيفية تخزينها، ومن يحق له الوصول إليها، وما إذا كان استخدامها يتم بموافقة حرة ومستنيرة من الشخص المعني.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة إذا خرجت التقنية من المجال الطبي الخاضع للرقابة إلى بيئات العمل أو التعليم أو الاستخدامات التجارية، حيث يمكن أن يتعرض الأفراد لضغوط تدفعهم إلى قبول المراقبة العصبية.

هل تصبح إشارات الدماغ بيانات تحت المراقبة؟ الصين تتقدم في واجهات الدماغ والحاسوب

بين الابتكار الطبي والمراقبة الرقمية

يرى التقرير أن طموحات الصين تفتح نقاشًا حول العلاقة بين التقدم التكنولوجي والرقابة الحكومية، في ظل المخاوف المرتبطة باستخدام البيانات الشخصية في أنظمة المراقبة.

لكن الخطر لا يقتصر على دولة بعينها؛ فكل تقنية قادرة على جمع بيانات حساسة عن الإنسان تحتاج إلى ضوابط تحدد أغراض الاستخدام، وتمنع الاستغلال، وتضمن حق الأفراد في رفض المراقبة غير الضرورية.

وفي حالة واجهات الدماغ والحاسوب، تكتسب الحماية أهمية خاصة لأن البيانات العصبية قد تكون شديدة الحساسية، ولأن التوسع في استخدامها قد يطرح أسئلة جديدة حول الاستقلالية الشخصية والتمييز والخصوصية.

ومن الضمانات الضرورية وضع قواعد واضحة للموافقة المستنيرة، وتقليل البيانات التي تجمعها الأجهزة، وتشفيرها، وتحديد مدة الاحتفاظ بها، ومنع إعادة استخدامها لأغراض غير التي وافق عليها المستخدم.

كما ينبغي ألا يُفهم رصد نشاط الدماغ باعتباره دليلًا قاطعًا على الحالة الذهنية أو النوايا؛ فالإشارات العصبية تحتاج إلى تفسير علمي في سياقها، وقد تتأثر بعوامل متعددة.

سباق عالمي لم يُحسم بعد

تسعى الصين إلى منافسة شركات أمريكية مثل Neuralink وSynchron، في مجال يجمع بين علوم الأعصاب والهندسة الطبية والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات المتقدمة.

لكن الريادة لا تُقاس فقط بعدد الشرائح المزروعة أو سرعة تطوير الأجهزة؛ بل تشمل سلامة الاستخدام، وفاعلية النتائج السريرية، والقدرة على الإنتاج، والتكلفة، وإمكانية وصول المرضى إلى العلاج، إلى جانب وجود قواعد تحمي حقوقهم.

وقد تصبح واجهات الدماغ والحاسوب إحدى التقنيات التي تغير حياة بعض الأشخاص المصابين بإعاقات شديدة، إذا نجحت الأبحاث في تقديم أجهزة آمنة وموثوقة وقابلة للاستخدام على المدى الطويل.

وفي المقابل، فإن غياب الضوابط قد يفتح الباب أمام استخدامات تتجاوز الأهداف الطبية، بما يجعل حماية الخصوصية العصبية جزءًا أساسيًا من مستقبل هذه الصناعة.

وهكذا، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تحديد الدولة التي ستفوز بسباق شرائح الدماغ فحسب، بل في ضمان أن يخدم هذا التقدم الإنسان، بدلًا من تحويل أكثر بياناته حساسية إلى مورد جديد للمراقبة والاستغلال.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة