كيف تحسن جودة نومك؟.. النشاط البدني والجلوس الطويل مفتاح النوم الأفضل
ليس موعد النوم وحده ما يحدد جودته.. من المشي إلى التمارين الرياضية.. كيف تؤثر أنشطة اليوم في نومك ليلًا؟
لم تعد جودة النوم مرتبطة فقط بموعد الذهاب إلى السرير أو عدد الساعات التي يقضيها الإنسان نائمًا، إذ تشير أدلة علمية جديدة إلى أن الأنشطة اليومية، بما فيها ممارسة الرياضة والجلوس والحركة الخفيفة، تؤدي دورًا مهمًا في تحديد مدى جودة النوم وكفاءته.
وتعيد هذه النتائج توجيه الاهتمام من العادات التي تسبق النوم مباشرة إلى نمط الحياة على مدار اليوم، بما يشمل توزيع الوقت بين النشاط البدني والراحة والجلوس والنوم، باعتبارها عناصر مترابطة تؤثر في صحة الإنسان.
واعتمدت دراسة أجراها باحثون من جامعة جنوب أستراليا على بيانات 1168 طفلًا و1360 بالغًا، ارتدى المشاركون خلالها أجهزة تسارع على المعصم لمدة ثمانية أيام، لرصد أنشطتهم اليومية وتحليل علاقتها بمختلف جوانب النوم.
واستخدم الباحثون أسلوبًا إحصائيًا يُعرف باسم «تحليل البيانات التركيبية»، يتيح دراسة توزيع الوقت بين الأنشطة المختلفة باعتباره مجموعة مترابطة، بدلًا من التعامل مع كل نشاط بمعزل عن بقية اليوم.
من التركيز على ساعات النوم إلى دراسة اليوم كاملًا
على مدار معظم القرن العشرين، ركزت أبحاث النوم على ساعات الليل، من خلال قياس مدة النوم وعدد مرات الاستيقاظ ومدى استمرارية الراحة.
لكن هذا المنظور اتسع تدريجيًا، مع تزايد الاهتمام بالنوم باعتباره جزءًا من دورة يومية متكاملة مدتها 24 ساعة، تشمل أيضًا الجلوس والنشاط البدني الخفيف والتمارين الأكثر شدة.
وتعزز هذا التوجه عام 2016، عندما أطلقت كندا أول إرشادات وطنية متكاملة للحركة للأطفال والشباب، جمعت بين النوم والوقت الخامل والنشاط البدني ضمن إطار واحد للتوصيات الصحية.
وتوسعت الدراسة الجديدة في هذا النهج، من خلال بحث كيفية ارتباط توزيع الأنشطة اليومية بمختلف جوانب النوم لدى الأطفال والبالغين، بدلًا من التركيز على عدد ساعات النوم وحده.

النشاط البدني المتوسط والشديد يرتبط بنوم أفضل لدى البالغين
أظهرت النتائج أن النشاط البدني متوسط إلى شديد الكثافة كان النشاط النهاري الأوضح ارتباطًا بتحسن النوم لدى البالغين، وفقًا للتحليل الذي أجراه الباحثون.
ويتفق هذا الاتجاه مع أبحاث أخرى تناولت العلاقة بين ممارسة التمارين الرياضية والنوم، بما فيها دراسات أشارت إلى فوائد محتملة لتدريبات القوة واليوجا في تخفيف بعض أعراض الأرق وتحسين جودة الراحة الليلية.
وتوجد تفسيرات بيولوجية محتملة لهذه العلاقة؛ إذ يمكن أن تؤثر التمارين الرياضية في العمليات الكيميائية والفسيولوجية التي تساعد الجسم على الاستعداد للنوم.
ومن بين هذه العمليات زيادة الضغط الطبيعي للنوم، وهو الشعور المتراكم بالحاجة إلى النوم مع استمرار اليقظة. ويرتبط هذا الضغط، من بين عوامل أخرى، بمادة الأدينوزين، التي تتراكم في الدماغ خلال فترة الاستيقاظ وتشارك في تنظيم الشعور بالنعاس.
كما ترفع التمارين حرارة الجسم الأساسية مؤقتًا، ثم تنخفض هذه الحرارة خلال مرحلة التعافي. ويتزامن الانخفاض الطبيعي في حرارة الجسم مع التغيرات الفسيولوجية التي تسبق النوم وتساعد على تهيئة الجسم له.
وأشارت دراسات استخدمت تخطيط النوم إلى أن النشاط البدني قد يساعد أيضًا في تحسين بعض جوانب النوم العميق، المعروف باسم نوم الموجات البطيئة، وهو أحد المراحل المهمة في عملية التعافي الجسدي.
ومع ذلك، فإن ارتباط النشاط البدني بتحسن النوم لا يعني أن جميع التمارين أو مواعيد ممارستها تؤدي إلى التأثير نفسه لدى الجميع؛ إذ تختلف الاستجابة باختلاف الأفراد وشدة النشاط وتوقيته وعوامل أخرى تؤثر في النوم.

نقص النوم.. تحدٍ متزايد للصحة العامة
تأتي النتائج في وقت يثير فيه نقص النوم مخاوف متزايدة على الصحة العامة، لا سيما مع انتشار أنماط الحياة التي تتسم بقلة الحركة واضطراب مواعيد النوم.
ووفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، ينام نحو شخص بالغ واحد من كل ثلاثة أقل من سبع ساعات ليلًا بصورة منتظمة، وهي مدة تُعد حدًا أساسيًا موصى به لصحة معظم البالغين وفقًا للأكاديمية الأمريكية لطب النوم.
وتختلف معدلات النوم غير الكافي بين المناطق الجغرافية. ففي عام 2022، تراوحت نسبة البالغين الذين أبلغوا عن عدم حصولهم على قسط كافٍ من النوم بين 30% في ولاية فيرمونت و46% في ولاية هاواي.
وفي السياق نفسه، توصي إرشادات منظمة الصحة العالمية لعام 2020 البالغين بممارسة ما بين 150 و300 دقيقة أسبوعيًا من النشاط البدني متوسط الشدة، أو ما بين 75 و150 دقيقة من النشاط البدني شديد الشدة.
لكن نحو ربع البالغين حول العالم لا يستوفون هذه التوصيات المتعلقة بالنشاط البدني، وهو ما يسلط الضوء على أهمية تشجيع الحركة اليومية ضمن استراتيجيات الوقاية وتعزيز الصحة.
ولا تعني هذه المؤشرات أن قلة النشاط البدني هي السبب الوحيد لاضطرابات النوم، لكنها تبرز أهمية النظر إلى نمط الحياة اليومي عند تقييم العوامل المرتبطة بجودة الراحة.

اختلاف تأثير الأنشطة اليومية بين الأطفال والبالغين
لم يستجب نوم الأطفال والبالغين إلى الأنشطة اليومية بالطريقة نفسها في نتائج الدراسة.
فبالنسبة إلى الأطفال، ارتبطت كفاءة النوم بصورة أوضح بالوقت المخصص للنوم والوقت الذي يقضونه في الجلوس، في حين ساعد النشاط البدني الخفيف في تفسير بعض جوانب انتظام النوم.
وتشير هذه النتائج إلى أن فهم النوم لدى الأطفال يتطلب النظر إلى التوازن بين فترات الراحة والجلوس والحركة، بدلًا من التركيز على النشاط البدني الشديد وحده.
وتتولى الباحثة الرئيسية، الدكتورة ليزا ماتريتشاني، دراسة كيفية تأثير توزيع الوقت والأنشطة اليومية في صحة الأطفال والبالغين منذ أكثر من عقد، بما يشمل أبحاثًا سابقة تناولت العلاقة بين أنماط النشاط ومخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات الأيضية.
وقالت ماتريتشاني إن الأنشطة التي يمارسها الإنسان خلال النهار ترتبط بجوانب مختلفة من نومه، وهو ما يدعم أهمية دراسة اليوم باعتباره وحدة متكاملة لفهم السلوكيات المرتبطة بالصحة.
هل قضاء وقت أطول في السرير يحسن النوم؟
من النتائج اللافتة في الدراسة أن زيادة الوقت الذي يقضيه الشخص في السرير ارتبطت بنوم أكثر اضطرابًا وأقل كفاءة، بدلًا من أن تؤدي بالضرورة إلى راحة أفضل.
وتشير هذه النتيجة إلى أن إطالة مدة البقاء في السرير لا تعني تلقائيًا الحصول على نوم أعمق أو أكثر فاعلية.
وتتفق هذه الملاحظة مع نتائج بعض التجارب التي درست إطالة مدة النوم، والتي تشير إلى أن العلاقة بين الوقت المخصص للنوم وجودته ليست علاقة خطية بسيطة؛ فزيادة الوقت في السرير لا تضمن بالضرورة زيادة مماثلة في النوم الفعلي.
لكن ينبغي التمييز بين الارتباط والسببية. فالنتيجة لا تثبت أن البقاء مدة أطول في السرير يسبب اضطراب النوم لدى الجميع، كما لا تعني أن تقليل ساعات النوم مفيد. وتظل الحاجة إلى النوم الكافي أمرًا أساسيًا، مع اختلاف المدة المناسبة بحسب العمر والحالة الصحية والاحتياجات الفردية.

جودة النوم تبدأ قبل موعد إطفاء الأنوار
تتمثل الرسالة الأساسية للدراسة في أن تحسين النوم لا يقتصر على اتباع طقوس مسائية، مثل تقليل استخدام الشاشات أو الاستماع إلى موسيقى هادئة قبل الذهاب إلى السرير، رغم أن هذه العادات قد تكون مفيدة لبعض الأشخاص.
فبناء نمط حياة يدعم النوم يبدأ في وقت مبكر من اليوم، من خلال زيادة الحركة اليومية، وأخذ فترات استراحة من الجلوس الطويل، وممارسة نشاط بدني مناسب، والحفاظ على مواعيد نوم واستيقاظ منتظمة.
وقد يساعد المشي خلال النهار، أو ممارسة تمارين خفيفة، أو ركوب الدراجة بوتيرة مناسبة، في دعم العمليات البيولوجية المرتبطة بالنوم والإيقاع اليومي للجسم.
ويُنظم الإيقاع اليومي، المعروف بالإيقاع اليوماوي، عددًا من الوظائف الحيوية، بما فيها توقيت النوم واليقظة، ويتأثر بعوامل متعددة مثل الضوء والنشاط البدني ومواعيد الأنشطة اليومية.
وبذلك، لا ينبغي التعامل مع النوم باعتباره حدثًا منفصلًا يبدأ عند دخول غرفة النوم، بل باعتباره عملية تتأثر بتفاعل مجموعة من السلوكيات والعوامل الفسيولوجية على مدار اليوم.
ونُشرت الدراسة في دورية «Sleep Health»، وتدعم نتائجها أهمية تبني منظور متكامل للصحة اليومية، يجمع بين النوم الكافي والنشاط البدني وتقليل السلوك الخامل، مع مراعاة الاختلافات بين الأطفال والبالغين.





