واقيات الشمس تحمي البشر… لكن تهدد النظم البيئية البحرية
14 ألف طن سنويًا من مرشحات الأشعة فوق البنفسجية تهدد السواحل
لم تعد واقيات الشمس مجرد وسيلة وقائية لحماية الجلد من الأشعة فوق البنفسجية، بل أصبحت محور نقاش علمي متصاعد حول تأثيراتها البيئية والصحية، في ظل تزايد الأدلة على دورها كمصدر ناشئ للتلوث الكيميائي في النظم البيئية المائية.
ففي وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الحماية من أشعة الشمس نتيجة تفاقم موجات الحر المرتبطة بتغير المناخ، واستمرار هشاشة طبقة الأوزون، يعتمد ملايين الأشخاص حول العالم على واقيات الشمس كخط دفاع أساسي ضد حروق الجلد وسرطان الجلد. إلا أن هذه الحماية تأتي بثمن بيئي متزايد.
تحتوي معظم واقيات الشمس على ما يُعرف بمرشحات الأشعة فوق البنفسجية، وهي مركبات كيميائية أو معدنية تُستخدم لامتصاص أو عكس الإشعاع الشمسي. وتنقسم هذه المرشحات إلى نوعين رئيسيين: عضوية (كيميائية) تمتص الأشعة، وغير عضوية (معدنية) مثل أكسيد الزنك وثاني أكسيد التيتانيوم تعكسها.

تشير التقديرات إلى أن ما بين 6 آلاف و14 ألف طن من هذه المواد تُطرح سنويًا في المناطق الساحلية، خاصة في الوجهات السياحية التي تضم شعابًا مرجانية حساسة. وتصل هذه المواد إلى المياه إما بشكل مباشر عبر الاستحمام في البحر، أو غير مباشر من خلال مياه الصرف الصحي التي تعجز كثير من محطات المعالجة عن تنقيتها بالكامل.
واقيات الشمس .. تأثيرات ممتدة على الإنسان والكائنات البحرية
وقد أظهرت دراسات متزايدة أن هذه المواد تُعد ملوثات «شبه دائمة»، إذ تتحلل ببطء شديد، وقد تتحول في بعض الأحيان إلى مركبات أكثر سمية. وتؤثر هذه المواد في طيف واسع من الكائنات البحرية، بدءًا من الشعاب المرجانية التي تتعرض لظاهرة الابيضاض، وصولًا إلى الأسماك والأعشاب البحرية والكائنات الدقيقة.

وعلى المستوى البيولوجي، تربط الأبحاث بين هذه المواد وتأثيرات متعددة تشمل اضطرابات النمو، والتأثير في الإنزيمات، وتعطيل الغدد الصماء، ومشكلات في التكاثر. كما تم رصد وجود هذه المركبات في أجسام كائنات بحرية مثل السلاحف والدلافين، ما يشير إلى قدرتها على التراكم الحيوي عبر السلسلة الغذائية.
تأثيرات على النظام الهرموني، خاصة لدى النساء الحوامل
ولا تتوقف المخاوف عند البيئة البحرية، إذ تشير نتائج أولية إلى احتمال امتصاص بعض هذه المواد عبر الجلد ووصولها إلى مجرى الدم لدى الإنسان، رغم أن الأدلة لا تزال غير حاسمة. وتتركز المخاوف بشكل خاص حول تأثيراتها المحتملة على النظام الهرموني، خاصة لدى النساء الحوامل.
وتزداد خطورة هذه المواد عند تفاعلها مع ملوثات أخرى، مثل البلاستيك، حيث أظهرت دراسات حديثة أن بعض مرشحات الأشعة فوق البنفسجية يمكن أن ترتبط بجزيئات البلاستيك وتبطئ تحللها، ما يؤدي إلى إطالة عمر التلوث البلاستيكي وتعزيز نمو الميكروبات الضارة، في ما يُعرف بـ«التلوث المشترك».

كما تثير ادعاءات التسويق المتعلقة بمنتجات «صديقة للشعاب المرجانية» جدلًا واسعًا، حيث يشير خبراء إلى أن كثيرًا من هذه المنتجات لا تستند إلى أدلة علمية كافية، وقد تكون أقل ضررًا نسبيًا لكنها ليست آمنة بالكامل، ما يفتح الباب أمام ممارسات «الغسل الأخضر».
ورغم الاعتقاد السائد بأن واقيات الشمس المعدنية أكثر أمانًا، فإن بعض الدراسات الحديثة أظهرت أن تركيبات تحتوي على أكسيد الزنك قد تُحدث تأثيرات سلبية كبيرة على الشعاب المرجانية، ما يعزز الحاجة إلى تقييم شامل للمنتجات في صورتها النهائية، وليس فقط لمكوناتها الفردية.
تطبيق مبادئ «الكيمياء الخضراء»
في هذا السياق، تتجه الأنظار نحو أهمية تطبيق مبادئ «الكيمياء الخضراء» في تطوير منتجات جديدة لا تضر بالبيئة ولا بصحة الإنسان، مع ضرورة تعزيز الشفافية في الإفصاح عن المكونات، وإجراء اختبارات سمية طويلة الأجل.
كما يطالب خبراء بفرض تنظيمات أكثر صرامة على صناعة واقيات الشمس، على غرار الحظر الذي فرضته بعض الدول على مكونات مثل الأوكسيبنزون والأوكتينوكسات، لحماية الشعاب المرجانية.

وفي المقابل، يؤكد العلماء أن هذه المخاوف لا تعني التوقف عن استخدام واقيات الشمس، بل تستدعي استخدامها بشكل واعٍ، إلى جانب تبني وسائل حماية إضافية مثل ارتداء الملابس الواقية، واستخدام القبعات، وتجنب التعرض المباشر للشمس في أوقات الذروة.
وفي ظل تعقيد هذه القضية، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق توازن دقيق بين حماية صحة الإنسان من مخاطر الأشعة فوق البنفسجية، والحفاظ على سلامة النظم البيئية التي تمثل ركيزة أساسية لاستدامة الحياة على كوكب الأرض.





