نموذج ذكي جديد يقلل مواد بناء الجسور والمباني بنسبة تصل 90% بتكلفة أقل وكفاءة أعلى
تقنية ثورية لخفض استهلاك مواد البناء والانبعاثات الكربونية باستخدام الذكاء الاصطناعي
طور باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نموذجًا هندسيًا متقدمًا يمكن أن يُحدث تحولًا جذريًا في قطاع البناء، من خلال تصميم هياكل أكثر كفاءة تستخدم كميات أقل بكثير من المواد الخام، مع الحفاظ على مستويات القوة والمتانة المطلوبة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يمثل فيه إنتاج مواد البناء أحد أكبر مصادر الانبعاثات الكربونية عالميًا، إذ ساهم بأكثر من 7% من إجمالي الانبعاثات العالمية في عام 2022، وفقًا للدراسة المنشورة في دورية Automation in Construction.
تقليل المواد دون المساس بالقوة
يعتمد النموذج الجديد على تقنية تُعرف باسم “تحسين الطوبولوجيا” (Topology Optimization)، وهي طريقة حاسوبية تهدف إلى توزيع المواد داخل الهيكل بأكثر صورة كفاءة ممكنة، بحيث يتم استخدام الحد الأدنى من المواد مع الحفاظ على القدرة الإنشائية المطلوبة.
وتشير التقديرات إلى أن هذه التقنية يمكن أن تقلل استهلاك المواد في بعض الهياكل بنسبة تصل إلى 90% مقارنة بالتصميمات التقليدية، وهو ما قد يترجم إلى خفض هائل في الانبعاثات الناتجة عن قطاع البناء عالميًا.
لكن المشكلة الرئيسية التي حدّت من استخدام هذه التقنية سابقًا كانت أن التصميمات الناتجة غالبًا ما تكون معقدة للغاية وصعبة التنفيذ عمليًا في مواقع البناء، رغم كفاءتها النظرية العالية.
تصميمات قابلة للتنفيذ في الواقع
عمل الباحثان جوزفين كارستنستن وزين شيمر على تطوير إطار عمل جديد يدمج بين الكفاءة الهندسية وإمكانية التنفيذ العملي، بحيث يسمح للمهندسين بفرض قيود محددة على التصميم أثناء عملية التحسين.
فعلى سبيل المثال، يمكن تحديد الحد الأقصى لعدد الوصلات في كل نقطة من الهيكل، أو فرض حد أدنى لحجم العناصر الإنشائية، أو التحكم في زوايا الاتصال بين الأجزاء المختلفة، وهي عوامل تجعل التصميم النهائي أكثر سهولة في التصنيع والتركيب.
وقالت الباحثة جوزفين كارستنستن إن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين ثلاثة عناصر رئيسية هي: خصائص المواد المستخدمة، وقابلية البناء والتنفيذ، وكفاءة التصميم الهيكلي.
وأضافت أن النماذج التقليدية كانت تركز غالبًا على تحسين الأداء الهندسي فقط، دون مراعاة مدى إمكانية تنفيذ هذه التصميمات في الواقع.
دمج الخشب والصلب لتحقيق أفضل النتائج
من أبرز مزايا النموذج الجديد قدرته على تصميم هياكل متعددة المواد، حيث يستطيع اختيار المادة الأنسب لكل جزء من أجزاء الهيكل وفقًا لخصائصها الميكانيكية والبيئية.
فبينما يتميز الصلب بقدرته العالية على تحمل الأحمال والضغوط، يمتاز الخشب بانخفاض بصمته الكربونية مقارنة بالمواد التقليدية.
وأظهرت الاختبارات أن الدمج الذكي بين الخشب والصلب يمكن أن يحقق توازنًا مثاليًا بين المتانة والاستدامة البيئية، حيث يُستخدم الخشب في الأجزاء الأقل تعرضًا للإجهادات، بينما يُخصص الصلب للمناطق التي تتطلب قوة إضافية.
اختبار النموذج على جسر حقيقي
لاختبار كفاءة النظام، استخدم الباحثون تصميمًا مستوحى من جسر لوكبورت المقلوب بالقرب من مدينة بوفالو.
وقارن الفريق بين التصميمات التقليدية والتصميمات الناتجة عن النموذج الجديد، مع تطبيق قيود مختلفة تتعلق بزوايا الاتصال وأحجام المكونات وعدد الوصلات.
وأظهرت النتائج أن هذه القيود لا تجعل الهياكل أكثر قابلية للبناء فحسب، بل تساعد أيضًا على تحقيق وفورات كبيرة في المواد والانبعاثات الكربونية.
أداة عملية لمواجهة تغير المناخ
يرى الباحثون، أن هذه التقنية قد تصبح أداة مهمة في جهود خفض الانبعاثات المرتبطة بالبنية التحتية، خاصة مع التوسع العمراني المتسارع حول العالم.
وأوضح زين شيمر، أن العديد من القرارات التصميمية المبكرة تدفع المهندسين إلى استخدام كميات أكبر من المواد مما هو ضروري، مشيرًا إلى أن تحسين مرحلة التصميم يمثل أحد أكثر الإجراءات فعالية لتقليل الأثر البيئي للمباني والجسور.
وأضاف أن التحدي المناخي يتطلب إعادة التفكير في كيفية تصميم البنية التحتية منذ البداية، وليس فقط البحث عن مواد أقل تلويثًا.
نحو بنية تحتية منخفضة الكربون
يخطط الفريق البحثي خلال المرحلة المقبلة لبناء نماذج فعلية مصغرة للهياكل التي صممها النظام للتحقق من أدائها على أرض الواقع، إلى جانب إضافة المزيد من القيود والمعايير التي تجعل الأداة أكثر ملاءمة للاستخدام المباشر من قبل شركات الهندسة والتشييد.
ويأمل الباحثون أن يسهم هذا التطور في تحويل تقنيات التصميم الحاسوبي المتقدمة من نطاق المختبرات والأبحاث إلى مشاريع البناء الحقيقية، بما يدعم جهود خفض الانبعاثات وتحقيق أهداف الاستدامة في قطاع يمثل أحد أكبر مصادر الكربون في العالم.





