أمن غذائي بلا انبعاثات.. كيف تعيد الصين تشكيل نظم الغذاء العالمية في عصر تغير المناخ
بزراعة ذكية وغذاء مبتكر.. الصين تواجه أزمة المناخ على مائدة الطعام
تُحدث التأثيرات المتزايدة لتغير المناخ، مثل الفيضانات الغزيرة والجفاف الحاد، اضطرابات ملحوظة في نظم الغذاء حول العالم.
وتتصدر الصين، بوصفها أكبر اقتصاد زراعي في العالم، الجهود العالمية لربط أهدافها المناخية بأمنها الغذائي، عبر حزمة من الإجراءات التي تتضمن تقنيات الزراعة الذكية، وتغيير أنماط الاستهلاك، وتقليل الهدر، وبناء سلاسل إمداد مستدامة.
المناخ يصل إلى موائد الطعام
في عام 2023، حذّر علماء المناخ من انخفاض إنتاج الأرز في الصين بنسبة تقارب 8% خلال العقدين الماضيين، نتيجة الأمطار غير المعتادة.
وتشير التوقعات إلى انخفاض إضافي بنسبة مماثلة بحلول نهاية القرن، في حال ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمقدار 2 إلى 3 درجات مئوية.
وتتكرر هذه الظواهر في مختلف أنحاء العالم: فقد تسببت حرائق وجفاف كاليفورنيا في تقليص مساحات زراعة الأرز إلى النصف، بينما أدى الجفاف الناتج عن ظاهرة “النينيو” إلى أسوأ أزمة نقص في إنتاج الكاكاو بالقارة الإفريقية.
أما في المملكة المتحدة، فقد شهد عام 2023 انخفاضًا قياسيًا في استهلاك اللحوم، نتيجة ارتفاع أسعار البروتين الحيواني.
في ظل هذه الأزمات المتكررة، تتضح أهمية بناء نظم غذائية قادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية.
استراتيجية “الغذاء الأكبر”
الصين، إدراكًا منها لحجم التحديات، أطلقت استراتيجية “الغذاء الأكبر”، التي تهدف إلى تأمين الاحتياجات الغذائية من السعرات والبروتين عبر الموارد المتاحة، من الأرض والمياه والابتكار، دون استنزاف الموارد البيئية.
وتتماشى هذه الخطة مع تعهد “الكربون المزدوج”، الذي يشمل الوصول إلى ذروة الانبعاثات قبل عام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2060.
وتشمل السياسات الزراعية المستحدثة التركيز على المحاصيل المتكيفة مع المناخ، وتحسين القيمة الغذائية دون الإضرار بالبيئة.

تغيير الأنماط الغذائية نحو صحة الكوكب
تتسم الحمية الغذائية في الصين بانخفاض استهلاك اللحوم الحمراء مقارنة بالعديد من الدول، ما يمنحها ميزة في تقليل البصمة الكربونية.
وقد عززت الحكومة هذا الاتجاه من خلال توجيهات غذائية جديدة عام 2022، تُشجع على تناول وجبات نباتية ومتوازنة.
كما تستثمر الصين بقوة في الابتكار الغذائي؛ فقد خصصت بين عامي 2020 و2021 نحو 600 مليون يوان (93 مليون دولار) لأبحاث “التصنيع البيولوجي الأخضر”، وتشمل هذه الاستثمارات تطوير اللحوم النباتية والمزروعة في المعامل.
وتسعى الشركات الناشئة المحلية إلى توسيع الإنتاج، في ظل إقبال متزايد على تلك البدائل منخفضة التأثير البيئي، والتي تُستخدم في إنتاجها مياه وأراضٍ أقل بنسبة تتراوح بين 95% و99% مقارنة باللحم البقري التقليدي.
تحويل أنماط التغذية لدى 1.4 مليار شخص نحو أنظمة إنتاج منخفضة التأثير قد يحمل فوائد بيئية واقتصادية هائلة.
تقليل الفاقد والهدر عبر سلسلة الإمداد
يمثل الحد من الفاقد والهدر الغذائي ركيزة أساسية في جهود الصين لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الانبعاثات.
وتشير “تقرير تنمية القطاع الزراعي في الصين 2023” إلى أن إجمالي الفاقد في الحبوب الثلاث الرئيسية – الأرز، والقمح، والذرة – يبلغ نحو 20.7% من الإنتاج الكلي، منها حوالي 5% تحدث في مرحلة الاستهلاك.
ويمكن تقليص هذا الرقم إلى 12% فقط من خلال تحسين الممارسات، ما يتيح استرجاع نحو 55 مليون طن من الغذاء سنويًا، ويُعد الأرز أبرزها من حيث إمكانية الاسترداد.
ووفق التقديرات، فإن تقليل هذا الهدر قد يخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يتراوح بين 20 إلى 56 مليون طن سنويًا.
تدعم الحكومة والشركات هذه الجهود عبر الاستثمار في سلاسل التبريد، والتخزين المحسن، والتتبع الرقمي باستخدام تقنيات مثل “إنترنت الأشياء” و”البلوك تشين” لرصد الغذاء من المزرعة إلى المستهلك، ومنع التلف والتلاعب.
وتلعب الشركات العملاقة مثل “علي بابا” دورًا مهمًا، حيث يعمل ذراعها اللوجستي “Cainiao” مع المنتجين الغذائيين على حلول التعبئة المستدامة وتوصيل الأغذية في درجات حرارة مضبوطة.
كما تظهر فرص جديدة في مجالات التبرع بالغذاء وإعادة تدوير الفائض، مدعومة بتشريعات تنظيمية واضحة تحفز الشركات على الانخراط في هذه المبادرات دون خوف من المسؤولية.
سلاسل إمداد عالمية مستدامة
تمتد جهود الصين إلى خارج حدودها، إذ بدأت في إعادة تشكيل تجارتها الزراعية مع دول الجنوب العالمي نحو ممارسات أكثر استدامة.
ففي قطاع فول الصويا مثلًا، تعهدت شركات صينية رائدة باستيراد 1.5 مليون طن من فول الصويا المستدام من البرازيل، خالٍ من إزالة الغابات أو تدمير الغطاء النباتي، وقد تم التحقق من ذلك من قبل جهات مستقلة منذ ديسمبر 2020.
وتُظهر هذه الخطوة التزام الصين بدعم البلدان المصدّرة في تحقيق انتقال عادل لاستخدامات الأراضي، من خلال تحفيزات اقتصادية شاملة.
لكن لا تزال هناك تحديات قائمة، لا سيما في تجارة زيت النخيل بين الصين وإندونيسيا، إذ تفتقر سلاسل التوريد إلى الشفافية بسبب وجود معامل صغيرة غير مسجلة، وعدم اتساق أنظمة الشهادات وصعوبة الوصول إليها من قبل صغار المنتجين.
كما أن ضعف الوعي الاستهلاكي وغياب الحوافز السعرية يعوقان التحول نحو زيت نخيل معتمد ومستدام.
ختامًا: نحو مستقبل غذائي ذكي ومستدام
مع تفاقم تأثيرات تغير المناخ على نظم الغذاء، لم يعد بناء القدرة على الصمود خيارًا بل ضرورة.
وتُقدم الصين نموذجًا عالميًا متقدمًا عبر ربط الأمن الغذائي بالأهداف المناخية، وتعديل الأنظمة الغذائية، وتقليل الفاقد، وتعزيز التجارة المستدامة.
من خلال الاستثمار في الابتكار، وتحسين الكفاءة، ودعم الممارسات البيئية الرشيدة، تُمهد الصين الطريق نحو مستقبل غذائي أكثر عدلًا واستدامة.
ويُمكن للشركات والمستثمرين حول العالم أن ينضموا إلى هذا التوجه، فيجعلوا من المناخ فرصة للنمو بدلاً من تهديد للاستقرار الغذائي.





