الذكاء الاصطناعي يحول مخلفات النباتات المحترقة إلى أداة ذكية لتحسين خصوبة التربة
الفحم الحيوي والذكاء الاصطناعي.. ثورة زراعية تقلل هدر الأسمدة وتحمي المياه
كشفت دراسة علمية حديثة أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد المزارعين على الاستفادة من مخلفات النباتات المحترقة، المعروفة باسم “الفحم الحيوي” (Biochar)، وتحويلها إلى أداة فعالة لتحسين خصوبة التربة وتقليل هدر الأسمدة.
ويُعد الفحم الحيوي مادة شبيهة بالفحم النباتي تُنتج من تسخين المخلفات الزراعية أو الأخشاب أو المواد النباتية الأخرى في بيئة منخفضة الأكسجين، ثم تُضاف إلى التربة لتحسين خصائصها الزراعية.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Biochar العلمية.
ورغم تزايد استخدام الفحم الحيوي خلال السنوات الأخيرة باعتباره وسيلة منخفضة التكلفة لتحسين جودة التربة وتقليل الفاقد من الأسمدة، فإن تأثيره على عنصر الفوسفور ظل غير قابل للتنبؤ؛
إذ يمكن أن يساعد أحيانًا في تحرير الفوسفور المتاح للنبات، بينما قد يؤدي في حالات أخرى إلى تثبيته ومنع الجذور من الاستفادة منه.

تلوث المسطحات المائية
وتكمن أهمية هذه المشكلة في أن المحاصيل الزراعية لا تستفيد سوى من نسبة محدودة من الفوسفور المضاف إلى التربة، تتراوح غالبًا بين 15 و20% فقط خلال موسم النمو، بينما يرتبط الجزء الأكبر بعناصر مثل الحديد والألومنيوم والكالسيوم، ما يجعله غير متاح للنباتات.
كما تتسبب الكميات الزائدة من الفوسفور في تلوث المسطحات المائية عند انتقالها عبر الجريان السطحي، ما يؤدي إلى ظاهرة “التخثث” التي تحفز نمو الطحالب وتقلل مستويات الأكسجين في المياه، مهددة النظم البيئية المائية.
وللتغلب على هذه التحديات، جمع فريق بحثي بقيادة الباحث يوتاو بينج من جامعة صن يات سين في مدينة شنتشن الصينية بيانات من 32 دراسة سابقة، تضمنت 534 قياسًا لتأثير الفحم الحيوي على الفوسفور في أنواع مختلفة من التربة.

الغابة العشوائية
واستخدم الباحثون ثلاثة نماذج للتعلم الآلي لتحليل العلاقات بين خصائص الفحم الحيوي وظروف التربة وتأثيرها على الفوسفور.
وأظهر نموذج “الغابة العشوائية” (Random Forest) أفضل أداء، حيث تمكن من تفسير نحو 91% من التباين في نتائج التجارب.
وأوضحت النتائج أن درجة حرارة التحلل الحراري المستخدمة في إنتاج الفحم الحيوي كانت العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد سلوكه داخل التربة.
ووجد الباحثون أن أفضل النتائج تحققت عند إنتاج الفحم الحيوي في درجات حرارة تتراوح بين 460 و482 درجة مئوية، مع استخدام معدلات إضافة معتدلة.
في المقابل، أدى الفحم الحيوي المنتج عند درجات حرارة أعلى إلى تقليل توافر الفوسفور، وهو ما قد يكون مفيدًا في المناطق التي تعاني من مخاطر تلوث المياه الناتج عن تسرب المغذيات الزراعية.
كما أظهرت الدراسة، أن كمية الفحم الحيوي المضافة إلى التربة، ودرجة حموضة التربة، ومستويات الفوسفور الموجودة مسبقًا، تمثل عوامل رئيسية تؤثر في كفاءة هذه المادة.

الفحم الحيوي غير المعالج كيميائيًا
ولفتت النتائج إلى أن التربة المتعادلة أو القلوية قليلًا تستفيد بدرجة أكبر من الفحم الحيوي مقارنة بالتربة الحمضية، حيث يصبح الفوسفور أكثر قابلية للامتصاص بواسطة جذور النباتات.
ومن النتائج اللافتة أيضًا أن الفحم الحيوي غير المعالج كيميائيًا قد يكون مساويًا أو حتى أكثر فاعلية من الأنواع المعدلة معمليًا في تنظيم حركة الفوسفور داخل التربة، ما يساهم في خفض التكاليف وتقليل الأعباء البيئية المرتبطة بعمليات التصنيع.
ويرى الباحثون أن النموذج الجديد يمثل خطوة مهمة نحو الزراعة الدقيقة، إذ يتيح التنبؤ مسبقًا بتأثير نوع معين من الفحم الحيوي على حقل محدد قبل استخدامه فعليًا، ما يقلل من الاعتماد على التجربة والخطأ.
وخلصت الدراسة إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي مع استخدام الفحم الحيوي قد يساعد في تحسين كفاءة استخدام الأسمدة، وتقليل التلوث المائي، وتعزيز استدامة الإنتاج الزراعي، مع الاستفادة من المخلفات النباتية بوصفها موردًا زراعيًا قيّمًا.





