ميزانية الكربون تقترب من النفاد وتغيّر المناخ يتسارع بشكل غير مسبوق
السنوات القادمة حاسمة... العلماء يطالبون بإجراءات فورية لتقليل الانبعاثات
ارتفاع الاحترار إلى 1.52 مئوية في 2023: أول تخطٍ للهدف المناخي عالميًا
تشير مجموعة متزايدة من الأدلة العلمية إلى أن العالم، بسبب الارتفاع السريع في مستويات انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، يسير على الطريق الصحيح لتجاوز هدف 1.5 درجة مئوية الذي حددته اتفاقية باريس خلال السنوات الثلاث المقبلة، ما يدفع الكوكب إلى ما هو أبعد من عتبة حرجة، وبوتيرة أسرع مما كان يُخشى سابقًا.
يأتي هذا التحذير الخطير من أحدث تقييم لحالة الاحتباس الحراري العالمي، أجرته مجموعة من الباحثين الدوليين ونُشر في مجلة بيانات علوم نظام الأرض في وقت سابق من هذا الشهر، ووقّع عليه أكثر من 60 عالمًا من 17 دولة.
تُحدّث هذه الدراسة مؤشرات المناخ الرئيسية الواردة في تقرير عام 2021 الصادر عن الفريق العامل الأول للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، وهي الهيئة العلمية الأكثر موثوقية عالميًا في هذا المجال.
وصرّح أوريليان ريبس، الباحث بالمركز الوطني لبحوث الأرصاد الجوية والمؤلف المشارك في الدراسة، بأن النتائج “تُساعد في سد الفجوة الناجمة عن الجدول الزمني الطويل لإصدار تقارير الهيئة، إذ إن التقرير التالي لن يُنشر قبل نهاية العقد”.

ويمثل هذا التحديث تذكيرًا قاتمًا بالأهداف الطموحة التي حددتها اتفاقية باريس للمناخ عام 2015، والتي تهدف إلى الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي عند 1.5 درجة مئوية، أو على الأقل إبقائها أقل بكثير من درجتين مئويتين.
وفي ظل موجة حر تاريخية تخنق أوروبا، وتسجّل درجات حرارة غير مسبوقة في غرب القارة خلال يونيو، ودرجات حرارة قياسية في البحر الأبيض المتوسط، يشير التقرير إلى أن “معدلات الاحتباس الحراري العالمي الناجمة عن الأنشطة البشرية وصلت إلى أعلى مستوياتها تاريخيًا”.

اختلال توازن طاقة الأرض
من أبرز الإحصائيات المُقلقة التي كشفت عنها الدراسة، مؤشر اختلال توازن طاقة الأرض (EEI)، وهو مقياس رئيسي لسرعة تفاقم تغير المناخ.
يعكس هذا المؤشر كمية الحرارة التي يمتصها الكوكب مقارنة بما يصدره، وهو اختلال تسببت فيه الأنشطة البشرية. ومنذ عام 1975، تضاعف هذا الاختلال.
وقد تراكمت الحرارة باستمرار، مما أدى إلى ارتفاع درجات حرارة الأرض، والغلاف الجليدي، والغلاف الجوي، والمحيطات، خاصة في الأعماق، مع قفزة حادة وغير مفسّرة في عامي 2023 و2024.

ويضيف التقرير أن ميزانية الكربون العالمية – أي كمية ثاني أكسيد الكربون التي يمكن للبشرية أن تُطلقها قبل تجاوز حد الاحترار – تُستنزف أسرع مما كان متوقعًا.
ففي تقريرها لعام 2022، قدّرت الهيئة أن العالم لا يمكنه إطلاق أكثر من 500 مليار طن إضافية من ثاني أكسيد الكربون منذ بداية عام 2020، مع فرصة بنسبة 50% للبقاء ضمن هدف 1.5 درجة مئوية.

ثلاث سنوات
ولكن وفقًا للدراسة الجديدة، فإن هذه الميزانية ستُستنفد في غضون ما يزيد قليلاً عن ثلاث سنوات، إذا استمرت الانبعاثات عند مستوياتها الحالية حتى عام 2024.
كما ارتفع الاحترار الناجم عن النشاط البشري بمعدل غير مسبوق عام 2024، حيث وصل إلى 0.27 درجة مئوية لكل عقد بين عامي 2015 و2024. ويُعزى هذا التسارع إلى مزيج من انبعاثات الغازات الدفيئة القياسية، وانخفاض تأثير الهباء الجوي المبرّد.
ورغم أن الظواهر الطبيعية، مثل ظاهرة “النينيو” المناخية في عام 2024، تلعب دورًا جزئيًا في هذا الارتفاع غير المسبوق، إلا أن النشاط البشري يظل العامل الأكبر.
ووفقًا للتقرير، فقد تجاوز العام الماضي متوسط التغير السنوي القياسي في درجة حرارة سطح الأرض المسجّل عام 2023، حيث بلغ 1.52 درجة مئوية، ليصبح أول عام تقويمي منذ ما قبل الثورة الصناعية يتجاوز حد 1.5 درجة مئوية.
ووفقًا لعالمة المناخ فاليري ماسون-ديلموت، فإن 1.36 درجة مئوية من هذا الاحترار تعود لتغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية.

“العقد الحرج”
على الجانب الإيجابي، تُشير الدراسة إلى أنه رغم بلوغ انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية أعلى مستوياتها على المدى الطويل، إلا أن هناك مؤشرات على تباطؤ في معدل الزيادة.
وتشير إلى أن خفض الانبعاثات بسرعة وبصرامة قد “يُخفض معدلات الاحترار إلى النصف خلال العشرين عامًا المقبلة”، شريطة اتخاذ قرارات مجتمعية حاسمة.
ويُشدّد مؤلفو الدراسة على أن “هذا العقد حاسم”، إذ إن الاحترار العالمي يفاقم من الأحداث المناخية المتطرفة على نحو متسارع.





