أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

من الاستعمار إلى الانبعاثات..رأي قانوني جديد يدعم فكرة «من لوّث الأرض يدفع ثمن ترميمها»

لماذا يجب أن تتحمل الدول الغنية كلفة إصلاح المناخ؟ حين تصبح الضرائب أداة لـ«إصلاح التاريخ»

بينما يستعد العالم لدخول عقد حاسم في معركة البقاء المناخي، تعود قضية “من يدفع ثمن الأزمة؟” إلى الواجهة، ليس فقط كمسألة مالية أو بيئية، بل كسؤال أخلاقي وسياسي يعيد فتح جراح التاريخ الاستعماري الذي لم يلتئم بعد.

في هذا السياق، يطرح الباحث في العدالة العرقية وحقوق الإنسان أوهيني ياو أمبوفو-أنتي مقاربة جريئة:
أن تكون الضرائب على الثروة نفسها شكلًا من التعويضات المناخية — أداة لإصلاح التاريخ بقدر ما هي وسيلة لإصلاح الكوكب.

المناخ بين العدالة والذاكرة التاريخية

يبدأ أمبوفو-أنتي تحليله من حقيقة صادمة وردت في تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP): العالم يسير بخطى ثابتة نحو تجاوز هدف الـ 1.5 درجة مئوية خلال العقد القادم، وهو السقف الذي وضعته اتفاقية باريس قبل عشر سنوات لتجنب الكارثة المناخية.

لكن خلف هذه الأرقام العلمية تكمن مفارقة أكثر عمقًا: فبينما تتحمل دول الجنوب العبء الأكبر من التغير المناخي — من جفاف وتصحر وأعاصير وارتفاع في مستوى البحار — فإن المسؤولية التاريخية عن الانبعاثات تقع على كاهل دول الشمال الصناعي التي بنت ثروتها عبر قرون من الاستغلال الاستعماري للموارد والبشر.

منذ تسعينيات القرن الماضي، دعت دول الجزر الصغيرة النامية إلى إنشاء صندوق تمويلي عالمي للتعويض عن الأضرار المناخية تموله الدول الصناعية الكبرى، إلا أن هذه الدعوة قوبلت بالتجاهل، لتتراكم الخسائر وتتعاظم الفجوة بين الملوثين والمتضررين.

الكمامات البلاستيكية تتحول إلى مصدر خطر للأجيال المقبلة
تلوث الأرض ومخلفات الصناعات خطر للأجيال المقبلة

اليوم، ومع انعقاد مؤتمر المناخ «COP30» في مدينة بيليم البرازيلية، تتجدد هذه المطالب بصيغة قانونية جديدة بعد أن حصلت حركة “طلاب جزر المحيط الهادئ من أجل العدالة المناخية على رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن مسؤولية الدول عن الأضرار المناخية.
وقد لخّص رئيس الحركة، فيشال براساد، جوهر القضية بقوله:

«إذا لم تتوقف الانبعاثات، فنحن لا نغامر بمستقبلنا فحسب، بل نرحب بزواله».

من الرأسمالية العنصرية إلى الأزمة المناخية

يرى أمبوفو-أنتي أن القصة التقليدية لبداية الأزمة المناخية — التي تربطها بثورة الصناعة في القرن الثامن عشر — تتجاهل البعد السياسي والاقتصادي العميق للأمر. فالتاريخ الحقيقي للأزمة يبدأ مع الاستعمار الأوروبي والرأسمالية العنصرية، حين حُوّلت الطبيعة إلى مصدر للنهب، والبشر إلى أدوات للإنتاج، والموارد إلى سلعة.

هذا النظام، الذي يمكن تسميته بـ «الرأسمالية العنصرية»، لم يكن مجرد مرحلة تاريخية، بل نموذجًا متواصلًا لإعادة إنتاج السيطرة عبر الاقتصاد العالمي الحديث، فالدول التي بنت إمبراطورياتها على استغلال الشعوب والأرض، هي نفسها التي تهيمن اليوم على مفاوضات المناخ، وعلى مؤسسات التمويل، وعلى النظام الضريبي الدولي الذي يسمح بإخفاء الثروات في ملاذات آمنة بينما تتحمل الشعوب الفقيرة تكاليف «التنمية الخضراء».

من هنا، يرى الكاتب أن العدالة المناخية لا يمكن فصلها عن العدالة التاريخية والعرقية. فالمناخ لم يتدهور صدفة، بل نتيجة مباشرة لهيمنة منظومة اقتصادية – استعمارية الطابع – تُغذّي التفاوت بين الشمال والجنوب، الأبيض والملون، الغني والفقير.

اختناق الأشجار بسبب تلوث البلاستيك ودخان المصانع

القانون الدولي بين النص والإنصاف

ينتقل أمبوفو-أنتي إلى تحليل قانوني دقيق، فيشير إلى أن اتفاق باريس للمناخ نصّ في مادته الثامنة على أن تمويل الخسائر والأضرار «لا يُشكل أساسًا للمسؤولية أو التعويض»، وهو ما مثّل عمليًا إغلاقًا لباب المطالبة القانونية بالتعويض عن الأضرار المناخية.

لكن رأي محكمة العدل الدولية الأخير كسر هذا الحاجز حين أكّد أن هناك التزامًا عرفيًا دوليًا بمنع الضرر البيئي الجسيم، بما يشمل المناخ. وأي إخلال بهذا الالتزام يعدّ «فعلًا دوليًا غير مشروعًا» يستوجب التعويض.

ورغم أن المحكمة لم تذكر صراحةً الاستعمار بوصفه أصلًا للأزمة، فإنها شددت على مبدأ الإنصاف والمسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة (CBDR)، وهو ما يفتح الباب لتفسير أكثر جرأة يرى في العدالة المناخية استكمالًا للعدالة الاستعمارية المؤجلة.

ويضيف الكاتب أن محكمة العدل الدولية استعانت أيضًا بمبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان لتفسير الالتزامات المناخية، وهو تطور بالغ الأهمية لأنه يربط بين العدالة البيئية والحقوق في المساواة، والتنمية، وتقرير المصير — أي الحقوق التي حُرم منها الجنوب العالمي عبر قرون من التبعية.

المعركة من أجل المناخ هي معركة من أجل العدالة في جوهرها

نحو مفهوم جديد للتعويض: الضرائب كأداة إصلاح

من هذا المنطلق، يطرح أمبوفو-أنتي أطروحة ثورية:
أن تُعتمد الضرائب التصاعدية على الثروات الكبيرة كآلية واقعية لتحقيق التعويض المناخي.

فالأزمة ليست فقط في الفجوة بين الدول، بل أيضًا بين الأفراد. إذ تشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن أغنى 10% من سكان العالم مسؤولون عن أكثر من نصف الانبعاثات الكربونية.

لكن هؤلاء لا يدفعون حصتهم الحقيقية من تكلفة الكارثة.

فوفقًا لتقرير حالة العدالة الضريبية 2024، يُهدر الاقتصاد العالمي ما يقارب 492 مليار دولار سنويًا عبر التهرب الضريبي، منها 144.8 مليار دولار ناتجة عن إخفاء الثروات في الملاذات الضريبية من قبل الأثرياء.

ويشير الاقتصادي جابرييل زوكمان، في دراسة بتكليف من رئاسة مجموعة العشرين في البرازيل، إلى أن الأفراد ذوي الثروات الفائقة يُفرض عليهم عادةً معدلات ضرائب أدنى من الطبقات الوسطى، ما يعني أن النظام الضريبي العالمي نفسه يكرّس التفاوت.

من هنا، تصبح الضرائب ليست فقط أداة مالية، بل وسيلة لإعادة توزيع المسؤولية التاريخية، فكما كانت الثروة الاستعمارية سببًا في دمار البيئة، يجب أن تكون الثروة الحالية أداة لإصلاحها.

يتظاهر أعضاء المجتمع المدني مطالبين الملوثين بدفع التعويضات للدول المتضررة من أثار المناخ

أبعد من الضرائب: إعادة هيكلة النظام العالمي

غير أن أمبوفو-أنتي لا يكتفي بالدعوة إلى ضرائب مناخية، فهو يرى أن التعويض الحقيقي يتطلب إصلاحًا جذريًا للنظام الاقتصادي الدولي، يشمل:

ويؤكد أن أي إصلاح لا يتحدى البنية الاستعمارية العميقة للاقتصاد العالمي سيظل «ترميمًا للظلم لا إزالة له». فـ «التعويض الحقيقي لا يمكن أن يُقدَّم من داخل نظام قائم على التفوق العرقي والهيمنة الاقتصادية».

ولهذا يعتبر أن الضرائب التصاعدية ليست سوى إصلاح غير إصلاحي (Non-reformist reform) — أي خطوة انتقالية تفتح الطريق نحو نظام عالمي أكثر عدلًا، دون أن تدّعي أنها الحل النهائي.

خلاصة

ينتهي المقال إلى أن المعركة من أجل المناخ هي معركة من أجل العدالة في جوهرها. فالمناخ ليس ضحية غازات الكربون وحدها، بل ضحية قرون من اللامساواة والهيمنة والتراكم غير العادل للثروة.
ولذلك، فإن إعادة توزيع الثروة — عبر الضرائب، وإلغاء الديون، وتمويل التحول العادل — ليست مسألة محاسبة بيئية فحسب، بل مسألة استعادة للكرامة الإنسانية والحق في الحياة على كوكب قابل للبقاء.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading