أخبارالاقتصاد الأخضر

ثورة في مستحضرات التجميل.. زيت مخمّر من الخميرة يعيد تشكيل صناعة أحمر الشفاه

دهون مُصنّعة مخبريًا تدخل عالم أحمر الشفاه كبديل مستدام لزيت النخيل

زيت مخمّر من الخميرة يعيد تشكيل صناعة أحمر الشفاه
زيت مخمّر

تشهد صناعة التجميل العالمية تحولًا جذريًا مع تسارع إدخال تقنيات التكنولوجيا الحيوية في تطوير المكونات الأساسية للمستحضرات، في محاولة للحد من الأثر البيئي المرتبط بسلاسل الإمداد التقليدية، وعلى رأسها زيت النخيل الذي يعد من أكثر الزيوت استخدامًا في العالم وأكثرها إثارة للجدل بيئيًا.

وفي أحدث هذه التطورات، أعلنت علامة التجميل الأمريكية Tower 28 Beauty عن إطلاق منتج جديد لأحمر الشفاه من نوع “ShineOn Plumping Lip Jelly”، يعتمد على مكوّن مبتكر يُعرف باسم Palmless Torula Oil، وهو بديل دُهني مُنتج عبر التخمير باستخدام الخميرة، طورته شركة التكنولوجيا الحيوية C16 Biosciences.

ويمثل هذا المنتج أول تطبيق فعلي لمادة “تورولا أويل” في مستحضرات التجميل الملونة، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في صناعة مستحضرات العناية الشخصية، تعتمد على إنتاج الدهون عبر عمليات تخمير دقيقة بدلًا من استخراجها من النباتات الاستوائية.

بديل صناعي لزيت النخيل.. كيف يعمل؟

تعتمد التقنية على ما يُعرف بـالتخمير الدقيق (Precision Fermentation)، وهي عملية تستخدم كائنات دقيقة مثل الخميرة لإنتاج جزيئات دهنية مصممة معمليًا لتشابه تركيب زيت النخيل من حيث الخصائص الكيميائية والوظيفية.

وتقوم منصة التصنيع الحيوي التابعة لشركة C16 Biosciences باستخدام هذه الكائنات الدقيقة لتحويل مواد أولية بسيطة إلى دهون عالية النقاء، يمكن استخدامها في صناعات متعددة تشمل مستحضرات التجميل، والعناية الشخصية، بل وحتى الغذاء والتغذية.

وبحسب الشركة، فإن هذا النهج لا يهدف فقط إلى استبدال زيت النخيل، بل إلى إعادة بناء سلسلة إنتاج الدهون بالكامل بطريقة أكثر استدامة وقابلية للتتبع.

أثر بيئي أقل وسلاسل توريد أكثر شفافية

يمثل زيت النخيل أحد أكثر الزيوت النباتية انتشارًا عالميًا، إذ يدخل في نحو نصف المنتجات الاستهلاكية تقريبًا، من مستحضرات التجميل إلى الأغذية المصنعة والمنظفات.

لكن هذا الانتشار الواسع ارتبط لعقود بواحدة من أكبر الأزمات البيئية، إذ يُعد زيت النخيل أحد المحركات الرئيسية لإزالة الغابات الاستوائية، خصوصًا في إندونيسيا وماليزيا، حيث يتم تحويل مساحات شاسعة من الغابات إلى مزارع نخيل الزيت، ما يؤدي إلى فقدان التنوع البيولوجي وزيادة الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الحرائق وتغيير استخدامات الأراضي.

وتشير تقديرات بيئية إلى أن إزالة الغابات تمثل ما يقرب من 20% من إجمالي الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، ما يجعل البحث عن بدائل مستدامة لزيت النخيل أولوية ملحّة في سياسات المناخ والصناعة على حد سواء.

كفاءة أعلى بكثير من الزراعة التقليدية

تؤكد شركة C16 Biosciences أن الدهون المُنتجة عبر التخمير توفر كفاءة استخدام للأراضي تفوق الزراعة التقليدية بنحو 250 مرة، إلى جانب تقليل الاعتماد على الأراضي الزراعية والغابات الاستوائية.

كما تتميز هذه التقنية بقدرتها على توفير سلسلة إمداد مستقرة وقابلة للتتبع بنسبة 100%، وهو ما يمثل نقطة قوة كبيرة مقارنة بسلاسل توريد زيت النخيل المعقدة التي تتأثر بالتغيرات المناخية والسياسية وتقلبات الإنتاج الزراعي.

وتشير الشركة إلى أنها وصلت إلى مرحلة الإنتاج الصناعي، حيث تنتج عدة أطنان أسبوعيًا من هذه الدهون الحيوية، ما يعزز فرص دخولها في تطبيقات تجارية واسعة خلال الفترة المقبلة.

دخول قوي لصناعة التجميل إلى اقتصاد “الدهون الحيوية”

لا يقتصر هذا الاتجاه على شركة واحدة، إذ تشهد صناعة التجميل موجة متسارعة من الابتكارات التي تعتمد على بدائل زيت النخيل والزيوت التقليدية.

فقد طورت شركات ناشئة عدة مواد بديلة تعتمد على التخمير أو تحويل الكربون أو إعادة تدوير النفايات العضوية لإنتاج زيوت وظيفية تدخل في تركيبات مستحضرات البشرة والشعر.

ومن بين أبرز هذه الشركات:

شركات تعتمد على تحويل الكربون إلى زيوت صناعية تقلل الانبعاثات بنسبة تصل إلى 90%.

شركات تستخدم مخلفات الطعام أو الخميرة لإنتاج زيوت بديلة.

شركات أوروبية طورت دهونًا حيوية معاد تدويرها للاستخدام في السيروم ومستحضرات العناية.

ويعكس هذا التحول ما يمكن وصفه بـ“اقتصاد الدهون الحيوية”، حيث يتم إنتاج الزيوت والدهون المستخدمة صناعيًا عبر التكنولوجيا الحيوية بدلًا من الزراعة التقليدية.

زيت مخمّر من الخميرة يعيد تشكيل صناعة أحمر الشفاه
زيت مخمّر من الخميرة يعيد تشكيل صناعة أحمر الشفاه

تشريعات تضغط على صناعة التجميل

يتزامن هذا التحول مع تصاعد التشريعات الدولية الهادفة إلى الحد من إزالة الغابات المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية، خصوصًا في الاتحاد الأوروبي الذي يستعد لتطبيق لوائح صارمة تمنع استيراد المنتجات المرتبطة بإزالة الغابات.

كما يناقش كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة تشريعات مشابهة تهدف إلى تعزيز شفافية سلاسل التوريد، وفرض عقوبات مالية على الشركات التي لا تلتزم بمعايير الاستدامة البيئية.

هذه التطورات تضع شركات التجميل أمام ضغوط متزايدة لإعادة تصميم مكونات منتجاتها بما يتوافق مع المعايير البيئية الجديدة.

بين الابتكار والجدل العلمي

رغم الحماس الكبير تجاه هذه التقنيات، لا تزال هناك تساؤلات حول جدواها على المدى الطويل، خاصة فيما يتعلق بتكاليف الإنتاج، وقابلية التوسع الصناعي، وتأثيرها الفعلي على خفض الانبعاثات مقارنة بسلاسل التوريد الزراعية المحسّنة.

كما يشير خبراء إلى أن نجاح هذه البدائل يعتمد على قدرتها على تحقيق توازن بين الأداء التجميلي المطلوب والتكلفة الاقتصادية والاستدامة البيئية.

مستقبل التجميل.. من الأرض إلى المختبر

يمثل إدخال الدهون المُنتجة مخبريًا إلى مستحضرات التجميل خطوة مهمة نحو إعادة تشكيل صناعة بأكملها، حيث تتحول المكونات الأساسية من مصادر زراعية تقليدية إلى عمليات تصنيع حيوية داخل المختبرات.

وفي حال نجاح هذه التقنيات على نطاق واسع، فقد يشهد قطاع التجميل خلال السنوات المقبلة تحولًا مشابهًا لما حدث في صناعات الطاقة والغذاء، مع انتقال تدريجي من الموارد الطبيعية إلى بدائل مصممة علميًا أكثر استدامة وشفافية وكفاءة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading