ماذا حقق مؤتمر المناخ COP29؟ التمويل في أدنى حدوده وغياب قضيتي الوقود الأحفوري والطاقة
الخبراء: النتائج أقل من الاحتياجات المالية للدول الضعيفة.. والاتفاق ليس حلا ولكنه أساس للمستقبل
احتلت أجندة المناخ العالمية مركز الصدارة في باكو، أذربيجان، حيث تجمع أكثر من 65 ألفًا من زعماء العالم وصناع القرار ومنظمات القطاع الخاص وأعضاء المجتمع المدني لحضور مؤتمر المناخ COP29.
في ظل البيانات الجديدة التي تتوقع أن يكون عام 2024 هو العام الأكثر سخونة على الإطلاق، وفي ظل الطقس المتطرف المتزايد الذي من المتوقع أن يكلف مليارات الدولارات من الأضرار، وفي ظل سياق جيوسياسي معقد، سلطت قمة هذا العام الضوء على الحاجة الملحة إلى العمل المناخي.
من هدف تمويل المناخ الجديد المثير للجدل، إلى اعتماد قواعد لسوق الكربون العالمية والجهود المتوقفة لخفض الانبعاثات المسببة لارتفاع درجة حرارة الكوكب، كانت نتائج القمة محل نزاع واعتُبرت على نطاق واسع غير كافية لمعالجة إلحاح أزمة المناخ.
وحظي اتفاق التمويل بإشادة الاتحاد الأوروبي باعتباره “بداية عصر جديد لتمويل المناخ”، لكن الدول النامية أدانته ووصفته بأنه “مزحة” باعتباره “أقل من اللازم ومتأخرا للغاية”.
في مؤتمر الأطراف COP29، برز التمويل باعتباره المحور الرئيسي، وخاصة تعبئة وتخصيص الأموال للعمل الضروري، وهدفت المفاوضات الرئيسية إلى تحديد هدف جديد لتمويل المناخ العالمي، وتعزيز المساهمات المحددة وطنيا، وإحراز تقدم كبير في جهود التكيف والحد من الخسائر والأضرار، وتعزيز التقدم في تعهدات الطاقة في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين.
وكان الهدف هو تعزيز التعاون العالمي وضمان تحقيق تقدم ملموس في معالجة التحديات الأكثر إلحاحاً التي يفرضها تغير المناخ.
إذن، ما الذي حققته مؤتمر الأطراف التاسع والعشرون وما الذي تبقى لضمان إحراز تقدم ملموس؟ فيما يلي أربعة أبرز النقاط التي خلصت إليها قمة هذا العام.

1. هدف جديد لتمويل المناخ العالمي
واجه المفاوضون مهمة حاسمة تتمثل في تحديد هدف جديد لتمويل المناخ العالمي بحلول عام 2025 وما بعده، وذلك بالبناء على الالتزام السابق بـ 100 مليار دولار سنويا.
منذ البداية، التزمت البلدان المتقدمة الصمت الاستراتيجي، حيث تجنبت الكشف عن حجم التمويل ــ أو “الكم” ــ الذي ستكون مستعدة لتقديمه لتحقيق الهدف الجديد. وتراوحت طلبات البلدان النامية بين 440 مليار دولار، و600 مليار دولار، و900 مليار دولار من التمويل الحكومي سنويا.
واقترحت هدفا إجماليا قدره 1.3 تريليون دولار، والذي يشمل التمويل الخاص الذي تحشده الحكومات، ولكن ليس القروض بأسعار السوق، أو ائتمانات التصدير، أو الاستثمار الخاص بشكل عام.
شوقد عمل المندوبون على معالجة مسألة كمية ونوعية ومصادر تمويل المناخ، وقد طالبت البلدان المعرضة للخطر بالحصول على ضمانات ملموسة فيما يتصل بآليات الخسائر والأضرار لضمان تقديم الدعم المالي اللازم.
وشملت الأولويات الرئيسية تحديد توقعات عادلة للمساهمين، وضمان ترجمة الدعم المالي إلى تأثير ملموس، وتعبئة استثمارات كبيرة من القطاع الخاص.
اتفقت الأطراف على “هدف كمي جماعي جديد لتمويل المناخ” لدعم البلدان النامية في جزأين:
- – 1.3 تريليون دولار سنويا يتم “تمكينها” من قبل جميع الجهات الفاعلة.
- – 300 مليار دولار للدول المتقدمة لتتولى زمام المبادرة في التنفيذ.
كلا الهدفين يمكن تحقيقه من خلال المصادر العامة والخاصة، ولكن على الرغم من أنهما يمثلان أكثر بكثير من الأهداف السابقة، فإنهما لا يزالان أقل من الاحتياجات المالية للدول الضعيفة.
وعلاوة على ذلك، فإن الهدف لا يبني على الالتزامات بخفض استخدام الوقود الأحفوري، ولنكن واضحين: هذا الاتفاق ليس أكثر من أساس، وليس حلاً، وقد واجهتنا العديد من العقبات على طول الطريق.

2. المادة 6: إنشاء بنية عالمية لأسواق الكربون
وفيما يتعلق بالتجارة الدولية لنتائج التخفيف (المادة 6.2)، أوضح مؤتمر الأطراف التاسع والعشرون كيف ستسمح البلدان بمعاملات ائتمان الكربون وإدارة سجلات التتبع، بالإضافة إلى ذلك، أنشأ آليات لضمان سلامة البيئة من خلال المراجعات الفنية المسبقة في عملية شفافة.
وبموجب آلية احتساب الكربون المركزية (المادة 6.4)، تتضمن آلية احتساب الكربون بموجب اتفاق باريس الآن ضمانات إلزامية لحماية البيئة وحقوق الإنسان. وتضمن هذه الضمانات عدم إمكانية تنفيذ المشاريع دون الحصول على موافقة مستنيرة من الشعوب الأصلية.
لدى الهيئة الإشرافية المسؤولة عن مراقبة الآلية خطة عمل شاملة لعام 2025.
وسيكون هذا التقدم الذي تم تحقيقه في مفاوضات المادة 6 في مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين حاسما لإنشاء أسواق كربون وظيفية، وهو أمر ضروري لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات التي حددها اتفاق باريس وتعبئة التمويل الذي تشتد الحاجة إليه.
3. المساهمات الوطنية الطموحة والقابلة للاستثمار
وواجه مندوبو الدول ضغوطا متزايدة لرفع طموحاتهم وتحديد التوقعات للدورة التالية من خطط المناخ الوطنية.
ومع اقتراب الموعد النهائي لتقديم المساهمات الوطنية المحددة المحدثة في عام 2025، تم تشجيع الدول على تحديث التزاماتها المناخية لتكون أكثر طموحا وقابلية للاستثمار وإنصافا كجزء من دورة التحديث التي تستمر خمس سنوات.
وتتطلب هذه المرحلة تحديد أهداف أعلى لخفض الانبعاثات وتحقيق نتائج رئيسية من مؤتمرات الأطراف السابقة، مثل الالتزامات بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري ومضاعفة قدرة الطاقة المتجددة ثلاث مرات بحلول عام 2030.
وأعلنت المملكة المتحدة والبرازيل عن مساهمات جديدة محددة وطنيا وأهداف لخفض الانبعاثات خلال القمة.
ودفعت الشركات، بما في ذلك تحالف قادة المناخ من الرؤساء التنفيذيين ، نحو تقديم مساهمات أكثر طموحا ومصداقية وقابلية للاستثمار، وترجمة هذه الخطط إلى سياسات محلية مستقرة وطويلة الأجل لجذب استثمارات القطاع الخاص.
ويعد تحقيق هذه الأهداف على الجبهات أمرا بالغ الأهمية للحفاظ على الزخم اللازم لتحقيق أهداف المناخ العالمية.

4- فقدان البوصلة نحو التحول إلى الوقود الأحفوري وتعهدات مؤتمر المناخ بشأن الطاقة
على الرغم من بيان البرازيل لمجموعة العشرين الذي أشار إلى إجماع الإمارات العربية المتحدة وتعزيز المفاوضات في منتصف المؤتمر، فقد انقسمت باكو بشأن الالتزام العالمي بالانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري والمضي قدمًا في أهداف الطاقة في مؤتمر المناخ COP28.
ولكن من المؤسف أن النتيجة النهائية لم تتضمن إشارة صريحة إلى “الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري”.
وفيما يتصل بأهداف الطاقة، لا يستطيع القطاع الخاص ولا القطاع العام تحقيق هذه الأهداف بمفردهما، ومن الأهمية بمكان أن يتعاون القطاعان.
وقد دعت الشركات إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات على جانب الطلب، وترجمة أهداف الكفاءة إلى خطط قابلة للتنفيذ على مستوى القطاع، وتمكين السياسات والتنظيم من تعزيز الكفاءة في القطاعات الرئيسية مثل البناء والصناعة والنقل.
وعلاوة على ذلك، فإن التدابير المستهدفة لإزالة العقبات الانتقالية لتحقيق أهداف الطاقة المتجددة الثلاثية، مثل تقصير أوقات التصاريح بشكل كبير، وتعزيز جاهزية الشبكة ودفع المزيد من تمويل المشاريع إلى البلدان النامية، ستكون حاسمة لتقدم مؤتمر الأطراف في المستقبل.
ما الذي لم يتم إنجازه؟
رغم أن مؤتمر المناخ COP29 حقق تقدماً، إلا أن هناك فجوات حرجة لا تزال قائمة:
1. التحول من الوقود الأحفوري
لقد فشلت الدول في الاتفاق على التزامات ملزمة بالتخلص التدريجي من دعم الوقود الأحفوري، وتظل هذه القضية واحدة من أهم العوائق أمام إزالة الكربون، حيث تعمل الإعانات على تشويه أسواق الطاقة وإبطاء تبني البدائل الأكثر نظافة.
وسيكون من الأهمية بمكان وضع جداول زمنية وآليات واضحة لإلغاء الدعم في عام 2025 لمواءمة أسواق الطاقة مع أهداف إزالة الكربون العالمية.

2. توسيع نطاق تمويل المناخ
بالإضافة إلى الاتفاق على الهدف الكمي الجماعي الجديد بشأن تمويل المناخ، فإن آليات قياس وتوزيع الأموال لا تزال غير واضحة، وخاصة فيما يتصل بجذب رأس المال من القطاع الخاص.
إن التحدي المتمثل في ضمان ترجمة الالتزامات المالية إلى مشاريع جاهزة وتنفيذ إجراءات حقيقية على أرض الواقع لا يزال قائما، وخاصة بالنسبة للدول النامية. وبدون معالجة هذه الفجوات، فإن الزخم الذي اكتسبته مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين قد يفقد زخمه قبل مؤتمر الأطراف الثلاثين.
3. ربط المناخ بالطبيعة
في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين في دبي، كانت الطبيعة هي الفائز الواضح حيث أشارت المفاوضات والنتائج إلى أهمية التنوع البيولوجي والحلول القائمة على الطبيعة للتخفيف والتكيف.
خلال إجراءات هذا العام، كانت الطبيعة أقل بروزًا، مما ترك لمؤتمر الأطراف الثلاثين مهمة تكثيف الزخم وربط مسارات التنوع البيولوجي بالعمل المناخي.
4. تجميد الحديث عن نتائج COP28 في مجال الطاقة
بموجب تفويض قوي لترجمة هذه الأهداف إلى خطط مفصلة على المستويين الوطني والقطاعي، يتعين على مؤتمرات الأطراف المقبلة أن تعمل بشكل أوثق مع الشركات، وخاصة من القطاعات ذات الانبعاثات الأعلى، وأن تشرح كيف تفسر الحكومات أهداف الطاقة المتجددة الثلاثية وكفاءة الطاقة المزدوجة من منظور وطني وقطاعي.
ومن شأن ذلك أن يسمح للشركات بتطوير خططها التفصيلية الخاصة بالتحول في مجال الطاقة والسعي إلى حلول قائمة على السوق لتسريع عملية التحول.
ما هي الخطوة القادمة؟
كان عام 2024 محوريًا، حيث استضافت مؤتمر المناخ التاسع والعشرين، ومؤتمر المناخ السادس عشر للتنوع البيولوجي، ومؤتمر المناخ السادس عشر لمكافحة التصحر، وقد أتاح هذا التوافق النادر لقادة العالم فرصة فريدة لدمج الجهود والسعي إلى حلول مستدامة.

وسوف تعمل الدول على تحديث مساهماتها الوطنية المحددة قبل انعقاد مؤتمر الأطراف الثلاثين، ومع ذلك، فإن عملية مؤتمر الأطراف نفسها تحتاج إلى الإصلاح. وتشكل النهج التعاونية بين القطاعين العام والخاص أهمية حيوية لمعالجة أزمة المناخ بالقدر المطلوب من الإلحاح والحجم.

في الطريق إلى دافوس
إن الاجتماع السنوي القادم للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا سيكون أول منتدى رئيسي للقطاعين العام والخاص بعد مؤتمر المناخ التاسع والعشرين، وسوف يوفر هذا المنتدى منصة لتحويل نتائجه إلى مبادرات قابلة للتنفيذ وتعزيز التعاون بين الحكومات والشركات والمجتمع المدني.

التحضير لمؤتمر الأطراف cop30
سوف يبني مؤتمر الأطراف الثلاثين في بيليم بالبرازيل على التقدم والقضايا التي لم يتم حلها من مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين في باكو.
وسوف تحدد البرازيل، التي تمثل الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، نغمة الطموح المناخي، مع حلول منتصف فبراير موعد الجولة التالية من المساهمات المحددة وطنيا، وقد يتم أيضا تحديد الدولة المضيفة لمؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين لعام 2026، حيث تعد أستراليا وتركيا من أبرز المرشحين.





