محيي الدين: لا أحد قادر على التنبؤ بتداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد العالمي
سيناريوهات قاتمة للاقتصاد العالمي.. خطر الركود التضخمي يتصاعد
تتزايد حالة الغموض التي تهيمن على الاقتصاد العالمي مع استمرار تداعيات الحرب الإيرانية، في وقت تبدو فيه القدرة على التنبؤ بمسار النمو أو التضخم أو حتى اتجاهات أسواق الطاقة محدودة للغاية، بحسب تقييمات مسؤولين وخبراء دوليين.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية، أن ما يشهده الاقتصاد العالمي اليوم لا يختلف كثيرًا عن “منطقة ضباب كثيف” يصعب معها رسم مسار دقيق للمستقبل، سواء على مستوى النمو أو الأسعار أو سوق العمل.
ويشير محيي الدين في لقاءه مع قناة العربية إلى أن هذا الوضع لا يقتصر على المؤسسات النقدية الكبرى مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بل يمتد إلى مؤسسات دولية محورية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي باتت تعتمد بشكل متزايد على سيناريوهات متعددة بدلًا من التوقعات الأحادية، خلال اجتماعاتها الأخيرة في واشنطن.

اقتصاد عالمي في “وضع السيناريوهات” لا التوقعات
وفقًا لهذا الإطار الجديد، لم يعد الحديث يدور حول رقم واحد للنمو أو التضخم، بل حول نطاقات مرنة تعكس حجم عدم اليقين:
النمو العالمي: بين 3% في السيناريو المتفائل وقرابة 2% في السيناريو المتشائم
التضخم: يتراوح بين 4% و6% مع احتمالات أعلى في حال تفاقم الصدمة
احتمال ظهور بيئة ركود تضخمي عالمي (تباطؤ نمو + ارتفاع أسعار)
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاقتصاد العالمي لم يعد يعمل ضمن بيئة مستقرة، بل داخل نظام يتأثر بسرعة بالصدمات الجيوسياسية والطاقة وسلاسل الإمداد.
الحرب الإيرانية كعامل ضغط مزدوج على الاقتصاد العالمي
يرى محيي الدين أن استمرار الحرب، خاصة في ظل ارتباطها المباشر بأسواق الطاقة، يخلق صدمة مزدوجة للاقتصاد العالمي:
1. جانب العرض (Supply Shock)
اضطراب إنتاج وتصدير النفط والغاز
مخاطر إغلاق أو تعطيل الممرات البحرية
تراجع تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية
2. جانب الأسعار (Price Shock)
ارتفاع أسعار النفط والغاز
زيادة تكاليف النقل والشحن
انتقال التضخم إلى السلع الأساسية والغذاء
ويضيف أن هذه الصدمات لا تؤثر بشكل منفصل، بل تتداخل لتضغط في اتجاهين متعاكسين على الاقتصاد:
خفض النمو من جهة، ورفع التضخم من جهة أخرى.

المضائق البحرية في قلب الأزمة العالمية
يشير التحليل إلى أن أحد أكثر عناصر الخطر في الأزمة الحالية يتمثل في الممرات البحرية الاستراتيجية، التي تمر عبرها نحو ربع التجارة العالمية تقريبًا.
وأي اضطراب في هذه الممرات يؤدي إلى:
تأخير سلاسل الإمداد العالمية
زيادة تكاليف التأمين والشحن
إعادة تسعير فوري للسلع والطاقة
ارتفاع مستويات عدم اليقين في الأسواق
وبذلك تصبح الجغرافيا السياسية عنصرًا مباشرًا في تحديد أسعار الغذاء والطاقة عالميًا.
التضخم العالمي بين الاستهداف النقدي والواقع الفعلي
يطرح محيي الدين إشكالية أعمق تتعلق بهدف التضخم في الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، حيث لا يزال الهدف الرسمي عند مستوى 2%.
لكن الواقع يشير إلى:
عدم استقرار التضخم عند هذا المستوى خلال السنوات الأخيرة
وصوله إلى مستويات تجاوزت 9% في 2022
استمرار الضغوط السعرية رغم سياسات التشديد النقدي
هذا الفجوة بين الهدف والواقع دفعت بعض الاقتصاديين إلى اقتراح رفع الهدف إلى نطاق أعلى (2.5% – 3%)، إلا أن هذا الطرح يواجه رفضًا من صناع السياسة النقدية، خوفًا من:
فقدان مصداقية البنوك المركزية
ترسيخ توقعات تضخمية أعلى لدى الأسواق والمستهلكين
صراع داخل الفكر النقدي حول أدوات القياس
تتوسع النقاشات أيضًا حول كيفية قياس التضخم نفسه، وليس فقط مستواه.
هناك اتجاه يدعو إلى استخدام مؤشرات “معدلة” تستبعد العناصر الأكثر تقلبًا مثل الغذاء والطاقة، فيما يعرف بمؤشرات “التضخم الأساسي أو المنقوص”.
لكن الاتجاه المقابل داخل البنوك المركزية يرفض الاعتماد الكامل على هذه المؤشرات، لأن:
المستهلك يشعر فعليًا بتغير أسعار الغذاء والطاقة
استبعادها قد يخلق فجوة بين الواقع والإحصاء
ما يهدد مصداقية السياسات النقدية على المدى الطويل
وبالتالي، يبقى التحدي الأساسي هو: كيف نميز بين الصدمات المؤقتة والتحولات الهيكلية في الأسعار؟
السياسة النقدية بين التيسير والحذر
في ظل هذا المشهد المعقد، تواجه البنوك المركزية معضلة حقيقية:
هل تبدأ في خفض الفائدة لدعم النمو؟
أم تظل متشددة لكبح التضخم المرتفع؟
وتزداد صعوبة القرار مع وجود احتمال أن تؤدي صدمة الطاقة إلى:
إعادة تسارع التضخم
إبطاء النمو في الوقت نفسه
وهو ما يجعل أي تحول في السياسة النقدية محفوفًا بمخاطر “القراءة الخاطئة” لاتجاه الاقتصاد.
أسواق مالية تتحرك بين التفاؤل والمخاطر الجيوسياسية
رغم هذه التحديات، لا تزال الأسواق المالية العالمية تُظهر درجة من المرونة، مدفوعة بعوامل مثل:
نمو قطاع الذكاء الاصطناعي
استقرار نسبي في سوق العمل
توقعات أرباح قوية في بعض القطاعات التكنولوجية
لكن هذه الصورة الإيجابية تخفي في الخلفية مخاطر متصاعدة مرتبطة بالطاقة والتوترات الجيوسياسية، ما يخلق حالة من الانفصال النسبي بين الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي.
خلاصة تحليلية
الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة لا يمكن وصفها بالتباطؤ أو النمو فقط، بل بمرحلة إعادة تسعير شاملة للمخاطر.
فالحرب الإيرانية لم تعد حدثًا إقليميًا فقط، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في:
مسار النمو العالمي
اتجاهات التضخم
سياسات البنوك المركزية
واستقرار أسواق الطاقة والتجارة
وفي ظل هذا التشابك، تبدو الرسالة الأساسية من المؤسسات الدولية واضحة: العالم لم يعد يعمل في بيئة اقتصادية مستقرة، بل في نظام مفتوح على سيناريوهات متعددة، حيث يصبح عدم اليقين هو القاعدة وليس الاستثناء.





