الإجهاد المناخي يترك بصمة وراثية.. هل تورَّث صدمات الحرارة عبر الأجيال؟
تأثيرات خفية لموجات الحر تكتب مستقبل الكائنات.. أدلة على انتقال تأثير الحرارة عبر الأجيال

تبدو موجات الحر غالبًا كأحداث قصيرة ومكثفة؛ يوم شديد الحرارة يمر، ثم تعود الحياة إلى طبيعتها. لكن أبحاثًا جديدة تشير إلى أن الكائنات الحية قد تحتفظ بذاكرة لتلك الحرارة تتجاوز عمرًا واحدًا.
هذا المفهوم يغيّر طريقة تفكير العلماء في التطور، والوراثة، والبقاء في عالم يزداد حرارة.
أجريت دراسة حديثة بواسطة إيوان هارني وخوسيفا غونزاليس من المجلس الوطني الإسباني للبحوث، باستخدام ذباب الفاكهة كنموذج. وأظهرت النتائج أن التعرض القصير للحرارة يمكن أن يترك آثارًا تستمر عبر عدة أجيال.
الحرارة تترك بصمات طويلة الأمد
لعقود طويلة، اعتُبرت الوراثة عملية بسيطة تنتقل فيها الجينات من الآباء إلى الأبناء، وتخضع للانتقاء الطبيعي. إلا أن هذه النظرة بدأت تتوسع.
توضح الدراسة أن الإجهاد البيئي، مثل الحرارة، يمكن أن يؤثر ليس فقط في جيل واحد، بل في عدة أجيال لاحقة.
فالتعرض المؤقت للحرارة قد يغيّر طريقة عمل الجينات لدى نسل لم يتعرض لهذه الظروف أصلًا.
مقارنة بين بيئتين مختلفتين
اعتمد الباحثون على مجموعتين من ذباب الفاكهة

مجموعة من فنلندا ذات مناخ بارد
وأخرى من وسط إسبانيا ذات صيف حار وجاف
وقد أظهرت الذباب الإسباني قدرة أكبر على تحمل الحرارة، بما يتوافق مع البيئة التي تطور فيها.
تغيّر نشاط الجينات
عرّض الفريق إناث الذباب لحرارة بلغت 37 درجة مئوية لفترة قصيرة، ثم فحصوا المبايض لرصد التغيرات في نشاط الجينات.
استجابت آلاف الجينات في كلا المجموعتين، خاصة تلك المرتبطة ببروتينات الصدمة الحرارية التي تساعد في إصلاح الأضرار.
دور الحمض النووي المتحرك
لا يُعد الجينوم ثابتًا؛ إذ يحتوي على عناصر وراثية متحركة تُعرف بـ”الجينات القافزة”.
وقد تبين أن هذه العناصر تؤثر في نشاط الجينات بشكل مختلف تبعًا للبيئة.
تأثيرات تمتد عبر الأجيال
أبرز نتائج الدراسة ظهرت في الأجيال اللاحقة التي لم تتعرض للحرارة.

ففي الذباب الإسباني، استمرت مئات الجينات في إظهار تغيرات، ما يشير إلى وجود نوع من “الذاكرة البيولوجية” المستقرة.
تشير النتائج إلى أن الكروماتين ليس المسؤول الوحيد عن نقل هذه التأثيرات، بل قد تلعب جزيئات RNA الصغيرة دورًا مهمًا.
توقيت التكاثر يؤثر على النتائج
كان لتوقيت وضع البيض بعد التعرض للحرارة دور مهم:
البيض المبكر أظهر معدلات بقاء منخفضة
بينما أظهر البيض المتأخر نموًا أسرع
يعكس هذا التأثير مفهوم “الهورميسيس”، حيث يؤدي الإجهاد الخفيف إلى فوائد لاحقة، مثل تسريع النمو.
استمر هذا التسارع في النمو حتى بعد ثلاثة أجيال، وهو ما يمنح الكائنات ميزة بقاء في بيئات متغيرة.
دلالات على التكيف المناخي

تشير هذه النتائج إلى أن الكائنات قد تتكيف مع التغير المناخي بسرعة أكبر مما كان متوقعًا، ليس فقط عبر الطفرات الجينية، بل أيضًا عبر تأثيرات بيئية موروثة.
لا تزال هناك تساؤلات حول الآليات الدقيقة لهذه الظاهرة، وما إذا كانت تختلف بين الذكور والإناث، أو بين الأنواع المختلفة.
إعادة تعريف الوراثة
توسّع هذه الدراسة مفهوم الوراثة ليشمل ليس فقط الجينات، بل أيضًا كيفية تنظيمها وتأثرها بالبيئة.
في ظل ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، قد تكون هذه “الذاكرة البيولوجية” عاملًا حاسمًا في بقاء الأنواع.





