ليس مصدر الرياح فقط.. كمية الأمطار تحدد مستوى التلوث في الغلاف الجوي
علماء يكتشفون عاملًا مفاجئًا يحسن التنبؤ بتلوث الهواء بنسبة كبيرة
كشفت دراسة علمية حديثة أن التنبؤ بمستويات تلوث الهواء لا يعتمد فقط على معرفة مصدر الكتل الهوائية واتجاه حركة الرياح، بل يتأثر أيضًا بشكل كبير بكمية الأمطار التي هطلت على هذه الكتل أثناء رحلتها عبر الغلاف الجوي.
وتشير النتائج إلى أن تاريخ الهطول المطري للكتلة الهوائية يمكن أن يكون عاملًا مهمًا بقدر أهمية المنطقة الجغرافية التي جاءت منها، ما يفتح الباب أمام تطوير نماذج أكثر دقة للتنبؤ بجودة الهواء وانتقال الملوثات البيئية.
إعادة النظر في فهم تلوث الهواء
اعتمد العلماء لعقود طويلة على تتبع مسارات الرياح لتحديد احتمالات ارتفاع مستويات التلوث، حيث يُفترض أن الكتل الهوائية القادمة من مناطق صناعية تحمل ملوثات أكثر من تلك القادمة من مناطق أقل نشاطًا بشريًا.
إلا أن الدراسة الجديدة أظهرت أن هذا التفسير لا يقدم الصورة الكاملة، إذ إن الأمطار التي تتعرض لها الكتلة الهوائية أثناء انتقالها تعمل على إزالة جزء من الملوثات العالقة بها، ما يؤثر بصورة مباشرة في تركيز المواد الملوثة عند وصولها إلى وجهتها النهائية.
وأجريت الدراسة بواسطة فريق من الباحثين في University of Michigan Engineering بالتعاون مع علماء من Appalachian Mountain Club وPlymouth State University.
وقادت الدراسة الباحثة لورين ريتشاردز، وهي طالبة متخصصة في علوم المناخ والأرصاد الجوية بجامعة ميشيغان.

بيانات نادرة تمتد 19 عامًا
استندت الدراسة إلى تحليل عينات من مياه السحب والأمطار جُمعت على مدار 19 صيفًا متتاليًا بين عامي 1996 و2014 من قمة جبل واشنطن في ولاية نيوهامبشير الأمريكية.
وتُعد هذه المجموعة من البيانات واحدة من أطول السجلات العلمية المتاحة من هذا النوع، ما منح الباحثين فرصة نادرة لدراسة العلاقة بين تاريخ الأمطار ومستويات التلوث عبر فترة زمنية طويلة.
وجرى جمع مياه السحب باستخدام نظام خاص يتكون من خيوط من مادة التفلون تدور مع اتجاه الرياح. وعندما تمر السحب عبر الجهاز تتكثف قطرات الماء على الخيوط ثم تتجمع داخل أوعية مخصصة للتحليل الكيميائي.
وقد وفر هذا النظام للباحثين سجلاً مباشرًا يحتوي على معلومات حول الملوثات المحمولة جوًا إلى جانب مؤشرات تكشف كمية الأمطار التي تعرضت لها السحب خلال رحلتها.

كيف قاس العلماء التلوث؟
استخدم الفريق العلمي أيونات الكبريتات كمؤشر رئيسي لتقييم مستويات التلوث، إذ تُعد الكبريتات من أكثر المؤشرات استخدامًا في أبحاث جودة الهواء، كما أنها ترتبط غالبًا بالانبعاثات الصناعية واحتراق الوقود الأحفوري.
أما لتحديد كمية الأمطار التي مرت بها الكتل الهوائية قبل وصولها إلى موقع الدراسة، فقد اعتمد الباحثون على قياس النسبة بين جزيئات الماء الثقيلة والخفيفة.
فعندما تنتج السحب كميات كبيرة من الأمطار خلال رحلتها، تنخفض نسبة جزيئات الماء الثقيلة التي تحتوي على نيوترونات إضافية مقارنة بجزيئات الماء العادية.
ويعمل هذا المؤشر بمثابة سجل طبيعي يوثق مقدار الهطول الذي تعرضت له الكتلة الهوائية قبل وصولها إلى قمة الجبل.

نتائج لافتة
بعد دمج بيانات العينات مع نماذج حركة الرياح لمدة ثلاثة أيام الصادرة عن National Oceanic and Atmospheric Administration، قارن الباحثون بين عدة عوامل لمعرفة أيها يفسر تغير مستويات التلوث بشكل أفضل.
وأظهرت النتائج أن معرفة المصدر الجغرافي للرياح وحده يفسر نحو 40% من التباين في تركيزات الكبريتات.
لكن عند إضافة معلومات عن تاريخ الهطول المطري للكتلة الهوائية، ارتفعت القدرة التفسيرية للنموذج إلى 55.6%.
ويعني ذلك أن الأمطار تؤدي دورًا مؤثرًا لا يقل أهمية عن مصدر الكتلة الهوائية نفسها في تحديد كمية الملوثات التي تحملها.
لماذا تُعد هذه النتيجة مهمة؟
رغم أن الزيادة من 40% إلى 55.6% قد تبدو محدودة للوهلة الأولى، فإنها تمثل تقدمًا مهمًا في مجال النمذجة الجوية، حيث توفر آلية فيزيائية واضحة يمكن دمجها في أنظمة التنبؤ بجودة الهواء.
ويساعد ذلك في تحسين توقعات التلوث، خاصة في المناطق الجبلية أو المناطق التي تتأثر بالكتل الهوائية القادمة من مسافات بعيدة.
كما يمكن أن تسهم هذه النتائج في تطوير استراتيجيات أفضل لحماية الصحة العامة من أخطار تلوث الهواء.
آثار تتجاوز قمم الجبال
لا تبقى الملوثات التي تترسب عبر الأمطار أو مياه السحب في المناطق الجبلية حبيسة تلك البيئات، بل تنتقل مع المياه إلى الأنهار والجداول المائية، حاملة معها ملوثات قد تؤثر في النظم البيئية المائية والمناطق الواقعة أسفل الجبال.
ولهذا السبب وسّع نادي جبال الأبلاش برنامجه البحثي ليشمل مراقبة مياه الأنهار إلى جانب مياه السحب والأمطار، بهدف تتبع حركة الملوثات عبر النظام البيئي بأكمله.
رسالة أوسع للمستقبل
يرى الباحثون أن جبل واشنطن يمثل مختبرًا طبيعيًا فريدًا بسبب ظروفه المناخية القاسية وتعرضه المباشر للكتل الهوائية القادمة من مناطق مختلفة، ما يجعل الإشارات البيئية التي قد تكون ضعيفة في أماكن أخرى أكثر وضوحًا هناك.
وتؤكد الدراسة أن فهم تلوث الهواء يتطلب النظر ليس فقط إلى المكان الذي جاءت منه الكتلة الهوائية، بل أيضًا إلى ما تعرضت له خلال رحلتها، وخاصة كمية الأمطار التي هطلت منها.
وقد تساعد هذه الرؤية الجديدة العلماء على تطوير نماذج أكثر دقة لفهم حركة الملوثات وتأثيراتها على البيئة والصحة العامة في عالم يشهد تغيرات مناخية متسارعة.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Earth and Space Science المتخصصة في علوم الأرض والغلاف الجوي والفضاء.





