أخبارتغير المناخ

“نينيو الغضب” يضرب العالم.. موجة حر تاريخية تعيد سيناريو 1976 المرعب

العلماء يحذرون: صيف المستقبل قد يصل إلى 45 درجة في بريطانيا

تشهد القارة الأوروبية واحدة من أشد موجات الحر في تاريخها الحديث، وسط تحذيرات علمية متزايدة من أن ما يحدث حاليًا ليس سوى مقدمة لواقع مناخي أكثر قسوة في السنوات المقبلة.

فقد أصدرت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية تحذيرًا جويًا أحمر نادرًا، مع توقعات بوصول درجات الحرارة إلى نحو 40 درجة مئوية في بعض مناطق إنجلترا، في مشهد غير مألوف يعكس تسارع وتيرة التغير المناخي.

ولم تقتصر تداعيات موجة الحر على بريطانيا، بل امتدت إلى عدة دول أوروبية، حيث اضطرت السلطات إلى إغلاق مدارس وتعطيل حركة القطارات، فيما اتخذت فرنسا إجراءات استثنائية، من بينها تقييد استهلاك الكحول في الأماكن العامة، في محاولة لتخفيف الضغط المتزايد على خدمات الطوارئ.

وتأتي هذه الموجة الحارة بالتزامن مع عودة قوية لظاهرة “إل نينيو”، التي يتوقع العلماء أن تكون من بين الأقوى خلال العقود الأخيرة، حتى أطلق عليها بعضهم لقب “جودزيلا”، في إشارة إلى قدرتها المحتملة على تضخيم الظواهر المناخية المتطرفة، وعلى رأسها موجات الحر والجفاف.

موجة حر قياسية تضرب أوروبا

تحول من ظاهرة استثنائية إلى واقع متكرر

تعيد هذه التطورات إلى الأذهان صيف عام 1976، الذي ظل لعقود طويلة رمزًا لموجات الحر الشديدة في بريطانيا، آنذاك، استمرت درجات الحرارة فوق 32 درجة مئوية لمدة 15 يومًا متتاليًا، ما أدى إلى خسائر كبيرة في المحاصيل الزراعية، وارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 12%، إلى جانب تسجيل نحو 250 حالة وفاة يوميًا بسبب الإجهاد الحراري.

لكن الفارق الجوهري اليوم هو أن ما كان يُعد استثنائيًا في الماضي، أصبح أقرب إلى الوضع الطبيعي.

فقد ارتفعت درجات الحرارة العالمية بنحو درجة مئوية واحدة منذ عصر ما قبل الصناعة، بينما شهد جنوب إنجلترا ارتفاعًا أكبر يتراوح بين 3 و4 درجات، ما أدى إلى تضاعف احتمالات وقوع موجات حر مماثلة، ولكن بدرجات أشد.

موجة حر قياسية تضرب أوروبا

“القاتل الصامت” يهدد الأرواح

تحذر الجهات الصحية من أن موجات الحر لم تعد مجرد ظاهرة موسمية، بل تحولت إلى تهديد مباشر للحياة، خاصة للفئات الأكثر هشاشة مثل كبار السن والأطفال. وتشير بيانات سابقة إلى أن صيف 2022 شهد وفاة نحو 3 آلاف شخص في بريطانيا وحدها، مقابل أكثر من 61 ألف وفاة في أوروبا نتيجة الحرارة المرتفعة.

ويؤكد خبراء المناخ أن خطورة هذه الظواهر تكمن في كونها “قاتلًا صامتًا”، إذ تتسلل آثارها تدريجيًا عبر الإجهاد الحراري ونقص المياه وتدهور جودة الهواء، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات دون ضجيج.

مستقبل أكثر سخونة وجفافًا

تشير النماذج المناخية الحديثة إلى سيناريوهات مقلقة، حيث قد تشهد بريطانيا بحلول خمسينيات القرن الحالي موجات حر تمتد لنحو أسبوعين، مع تسجيل درجات حرارة تتجاوز 40 درجة مئوية لعدة أيام متتالية، وربما تصل إلى 45 درجة في بعض المناطق.

ولا تقتصر التهديدات على ارتفاع الحرارة فقط، بل تمتد إلى تفاقم الجفاف. فوفقًا للدراسات، فإن موجات الحر الحالية أصبحت أكثر جفافًا بنسبة تصل إلى 20% مقارنة بالماضي، ما يهدد الأمن المائي بشكل مباشر. وتشير التقديرات إلى احتمال حدوث عجز يومي في إمدادات المياه يصل إلى 5 مليارات لتر في إنجلترا بحلول عام 2055، إذا لم يتم الاستثمار في تطوير البنية التحتية للمياه.

موجة حر غير مسبوقة تعصف بأوروبا: تعطّل النقل والطاقة وتهديدات للحياة

تداعيات اقتصادية وغذائية واسعة

يمتد تأثير موجات الحر إلى قطاعات حيوية، أبرزها الزراعة، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه إلى تراجع الإنتاجية وتلف المحاصيل، وهو ما قد ينعكس على ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، كما حدث في سبعينيات القرن الماضي.

كما تؤثر هذه الظروف على البنية التحتية، من خلال تعطل شبكات النقل والطاقة، وزيادة الطلب على الكهرباء بسبب استخدام أجهزة التبريد، ما يضع ضغوطًا إضافية على شبكات الطاقة.

تحذيرات حمراء في بريطانيا ودرجات حرارة تلامس 40 درجة مئوية
تحذيرات حمراء من وموجة حر قياسية في دول أوروبا درجات حرارة تلامس 40 درجة مئوية

السبب الجذري: الانبعاثات والوقود الأحفوري

يجمع العلماء على أن السبب الرئيسي وراء هذا التصاعد في الظواهر المناخية المتطرفة هو الانبعاثات الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري، والتي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتغيير أنماط الطقس.

وفي هذا السياق، يؤكد خبراء المناخ أن التعامل مع الأزمة يتطلب مسارين متوازيين: الأول يتمثل في خفض الانبعاثات بشكل عاجل للحد من تفاقم الظاهرة، والثاني في تعزيز إجراءات التكيف، مثل تطوير البنية التحتية للمياه، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، ورفع كفاءة المدن في مواجهة الحرارة.

موجة حر قياسية تضرب أوروبا

خلاصة المشهد

ما تعيشه أوروبا اليوم لم يعد مجرد موجة حر عابرة، بل مؤشر واضح على دخول العالم مرحلة جديدة من “الطقس المتطرف”، حيث تصبح الأحداث المناخية القاسية أكثر تكرارًا وشدة. وبينما لا يزال هناك مجال للتحرك، فإن الوقت يضيق، ما يجعل التحرك السريع ضرورة حتمية لتجنب سيناريوهات أكثر خطورة في المستقبل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading