أخبارصحة الكوكب

لماذا يتحمل البعض الطعام المقلي أكثر من غيرهم؟.. الإجابة في بكتيريا الأمعاء

اكتشاف علمي جديد يربط بين بكتيريا الأمعاء والأمراض المرتبطة بالأطعمة المصنعة

كشفت دراسة علمية حديثة، أن بكتيريا الأمعاء البشرية تمتلك قدرة غير متوقعة على تفكيك المركبات الكيميائية التي تتكون أثناء تحمير وشواء وقلي الأطعمة، وهو اكتشاف قد يفسر سبب اختلاف تأثير هذه الأطعمة على الصحة من شخص إلى آخر.

وأوضح الباحثون، أن هذه العملية تعتمد على إنزيم بكتيري موجود أساسًا لأداء وظيفة مختلفة، لكنه يتمتع بمرونة تمكنه من التعامل مع مجموعة من المركبات الناتجة عن الطهي بدرجات الحرارة المرتفعة، وليس مركبًا واحدًا فقط.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Food Chemistry، ويرى العلماء أن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة لفهم العلاقة المعقدة بين الأطعمة المصنعة وصحة الأمعاء، خاصة أن هذه المركبات ارتبطت في دراسات سابقة بزيادة خطر الإصابة بسرطان القولون، ومرض الكبد الدهني، والتهاب الكبد، وغيرها من الاضطرابات.

كيف تتكون هذه المركبات؟

عند تعريض الطعام لدرجات حرارة مرتفعة، تتفاعل البروتينات مع السكريات فيما يعرف باسم تفاعل ميلارد (Maillard Reaction)، وهو المسؤول عن القشرة الذهبية للخبز، واللون البني للحوم المقلية، ورائحة القهوة المحمصة.

وخلال هذا التفاعل يتكون مركب يسمى كاربوكسي ميثيل ليسين (CML)، وهو شكل معدل من الحمض الأميني “الليسين”.

وبينما يمتص الجسم الأحماض الأمينية الطبيعية في الأمعاء الدقيقة، فإن معظم مركب CML لا يُمتص، بل يصل إلى القولون حيث يعيش العدد الأكبر من بكتيريا الأمعاء، لتبدأ هناك مرحلة جديدة من التعامل معه.

اكتشاف إنزيم متعدد المهام

قاد الدراسة الدكتور يورجن لاساك، أستاذ علم الأحياء الدقيقة في جامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونيخ، بالتعاون مع الكيميائي الغذائي مايكل هيلفيج من جامعة دريسدن التقنية.

وركز الفريق على إنزيم يعرف باسم SpeC، الذي كان معروفًا سابقًا بدوره في مساعدة البكتيريا على تصنيع جزيئات ضرورية لنموها.

لكن الدراسة أظهرت أن الإنزيم يستطيع أيضًا تفكيك مركب CML، إضافة إلى عدد من الأحماض الأمينية الأخرى التي تتغير بنيتها بفعل الطهي، وهو ما دفع الباحثين إلى تشبيهه بـ”السكين السويسرية متعددة الاستخدامات”.

وقال الدكتور يورجن لاساك: “لا تحتاج البكتيريا إلى تطوير أدوات جديدة بالكامل لهذه المهمة، بل تعيد توظيف الأدوات الموجودة لديها بطريقة مبتكرة.”

قدرة تنتشر بين أنواع كثيرة من البكتيريا

البكتيريا

 

وأظهرت الدراسة أن هذه القدرة ليست حكرًا على نوع واحد من البكتيريا، بل تنتشر بين عدد كبير من الأنواع المكونة لميكروبيوم الأمعاء، ما يشير إلى أنها آلية شائعة تطورت مع استمرار تعرض الإنسان للأطعمة المطهية.

وترى الباحثة إيريكا أفيتا، المشاركة الأولى في الدراسة، أن هذه الوظائف الجانبية قد تمنح البكتيريا وسيلة أولية للاستفادة من مصادر غذائية جديدة، قبل أن تتطور لاحقًا إلى أنظمة أكثر كفاءة وتخصصًا.

وأضافت: “إذا أصبح هذا النوع من المركبات حاضرًا باستمرار في النظام الغذائي، فقد يتحول الإنزيم متعدد الاستخدامات إلى أداة أكثر تخصصًا وكفاءة في التعامل معه.”

علاقة محتملة بالأمراض المزمنة

أشارت الدراسة إلى أن المركبات الناتجة عن الطهي بدرجات حرارة مرتفعة ترتبط في العديد من الدراسات بزيادة مخاطر الإصابة بسرطان القولون، ومرض الكبد الدهني، والتهاب الكبد، إلا أن العلاقة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الأبحاث لإثبات السبب المباشر.

ويعتقد الباحثون أن قدرة بعض البكتيريا على استخدام هذه المركبات كمصدر للطاقة قد تمنحها أفضلية داخل الأمعاء، خاصة في البيئات الملتهبة، ما قد يؤثر في توازن الميكروبيوم وصحة الإنسان.

كما ينتج عن تفكيك هذه المركبات مواد تعرف باسم الأمينات الحيوية، وهي جزيئات صغيرة لا يزال العلماء يدرسون دورها المحتمل في التواصل الكيميائي بين بكتيريا الأمعاء وجسم الإنسان.

خطوة نحو فهم العلاقة بين الغذاء والصحة

الغذاء

 

أكد الباحثون أن نتائج الدراسة لا تثبت بشكل مباشر أن تناول الأطعمة المحمصة أو المقلية يسبب الأمراض، لكنها تقدم تفسيرًا بيولوجيًا جديدًا لكيفية تفاعل ميكروبيوم الأمعاء مع هذه المركبات الغذائية.

ويرى الفريق أن تحديد الإنزيم المسؤول عن هذه العملية يمنح العلماء هدفًا واضحًا لدراسة العلاقة بين الغذاء، وميكروبات الأمعاء، والأمراض المزمنة، وقد يفتح الباب مستقبلًا أمام استراتيجيات غذائية أو علاجية أكثر دقة.

وقال الباحث مايكل هيلفيج إن النتائج تشير إلى أن العلاقة بين الأطعمة المصنعة، والمسارات الأيضية لبكتيريا الأمعاء، والحالة الصحية للإنسان قد تكون أوثق بكثير مما كان يعتقد سابقًا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة