مياه الشرب قرب مواقع التكسير الهيدروليكي تحتوي على مستويات أعلى من الراديوم المشع
مياه أكثر ملوحة وراديوم أعلى.. مخاوف جديدة حول آبار الشرب قرب مواقع الغاز
لا يستطيع صاحب المنزل الذي يحصل على مياه الشرب مباشرة من بئر خاصة أن يسأل محطة معالجة المياه عما إذا كانت المياه آمنة. وفي أجزاء من جنوب غربي ولاية بنسلفانيا الأمريكية، تقع آبار الغاز وآبار المياه المنزلية الخاصة أحيانًا على مسافات متقاربة للغاية.
ولسنوات، تساءل السكان عما إذا كانت عمليات استخراج الغاز تؤثر في جودة المياه التي يشربونها.
وصمم باحثون دراسة أكثر تحديدًا لفحص سؤال مهم: هل يؤدي التكسير الهيدروليكي إلى زيادة مستويات الراديوم، وهو عنصر مشع، في مياه الشرب؟
ولم تكن الإجابة نعم أو لا بشكل قاطع.
فقد أظهرت الدراسة أن المنازل القريبة من بعض عمليات استخراج الغاز كانت تحصل على مياه أكثر ملوحة، ويمكن للملوحة أن تساعد في تحرير الراديوم من الصخور التي يرتبط بها طبيعيًا.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Environmental Science & Technology.
ومع ذلك، بقيت جميع عينات المياه التي جرى تحليلها أقل من الحد الفيدرالي المسموح به، كما أن النمط الذي رصده الباحثون لم يكن قويًا بما يكفي لإثبات أن عمليات الحفر هي السبب المباشر في ارتفاع مستويات الراديوم.

كيف يمكن أن يصل الراديوم إلى آبار المياه الخاصة؟
شارك ناثانيال وارنر، الأستاذ المشارك في الهندسة البيئية بجامعة ولاية بنسلفانيا، مع الجغرافي جينيفر باكا وفريق قادته أليسون فنسكي، في دراسة هذه القضية.
يوجد الراديوم بصورة طبيعية في التربة والصخور في معظم أنحاء الأرض، وعادة ما تكون مستوياته منخفضة إلى درجة لا تمثل خطرًا كبيرًا. لكن المشكلة تظهر عندما تؤدي عوامل معينة إلى انتقال كميات أكبر منه إلى المياه التي يشربها الإنسان على مدى سنوات طويلة.
وأوضح وارنر أن الراديوم يمتلك تركيبًا كيميائيًا يشبه بعض المعادن الأخرى، مثل الكالسيوم، ولذلك يمكن أن يتعامل الجسم معه بطريقة مشابهة.
وقال إن الجسم يحتاج إلى الكالسيوم لبناء العظام، ولذلك قد ينقل معه الراديوم الذي يدخل إليه عن طريق مياه الشرب، ومع مرور الوقت يتحلل الراديوم ويطلق جسيمات وطاقة يمكن أن تلحق الضرر بالخلايا.
ويرتبط التعرض طويل الأمد لمستويات مرتفعة من الراديوم بزيادة مخاطر الإصابة بالسرطان، وهو ما دفع السلطات الفيدرالية إلى وضع حدود لكمية الراديوم التي يمكن أن تصل إلى المستهلكين عبر شبكات المياه العامة.
لكن هذه الحدود لا تنطبق على الآبار الخاصة، التي تعتمد عليها غالبية المنازل في أجزاء من هذه المنطقة في ولاية بنسلفانيا.
كما أن فحص الآبار الخاصة للكشف عن التلوث الإشعاعي يظل إجراءً اختياريًا، ويقع في الأساس على عاتق أصحاب المنازل.
التكسير الهيدروليكي يصل إلى أعماق كبيرة تحت الأرض
كان استخراج النفط والغاز في السابق يعتمد غالبًا على حفر آبار رأسية للوصول إلى تجمعات الوقود الموجودة على أعماق كبيرة تحت سطح الأرض.
أما عمليات الحفر غير التقليدية التي تعتمد على التكسير الهيدروليكي، فتصل إلى أعماق مماثلة قبل أن تنحرف الآبار أفقيًا، وقد تمتد لمسافات طويلة داخل الصخور.
ويُستخدم في عملية التكسير خليط عالي الضغط من المياه والرمال والمواد الكيميائية، بهدف إحداث شقوق في الصخور تسمح بتحرير النفط أو الغاز المحبوس بداخلها.
كما ارتبطت هذه الممارسة بحدوث زلازل صغيرة في بعض مناطق استخراج النفط والغاز، إلا أن هذه القضية تمثل مجالًا بحثيًا منفصلًا عن الدراسة الجديدة.
وأوضح وارنر أن الفارق الكبير يكمن في حجم عمليات الحفر، وكمية المياه المستخدمة في تكسير الصخور، مشيرًا إلى أن آبار النفط والغاز غير التقليدية قد تمتد أميالًا إلى الأسفل ثم لمسافات طويلة أفقيًا.

المياه المالحة قد تحرر الراديوم من الصخور
كانت أبحاث سابقة أجرتها جامعة ولاية بنسلفانيا قد حددت مناطق ترتفع فيها ملوحة المياه بالقرب من الآبار غير التقليدية في حوض أبالاتشي الشمالي، وهي منطقة جيولوجية تمتد من ألاباما إلى شمال ولاية نيويورك.
وأشار وارنر إلى أن المناطق التي ترتفع فيها الملوحة يمكن أن تكون مرتبطة بزيادة تصل إلى 200% في مخاطر الآثار الصحية المرتبطة بالراديوم.

ويمكن للمياه المالحة أن تساعد في تحرير الراديوم الموجود أصلًا في الصخور المحيطة، لينتقل بعد ذلك إلى المياه الجوفية العذبة.
وكانت دراسات سابقة تناولت حوادث تسرب مرتبطة بعمليات استخراج النفط والغاز قد ركزت على عناصر مثل الصوديوم والكلوريد والباريوم والسترونتيوم، وهي مواد ترتبط بمياه الصرف الناتجة عن عمليات الحفر، لكنها لم تقيس الراديوم نفسه.
تحليل 91 بئرًا للمياه الخاصة
تواصل فريق فنسكي مع أصحاب المنازل في مقاطعتي واشنطن وجرين بجنوب غربي بنسلفانيا، وجمع عينات من 91 بئرًا ونبعًا خاصًا.
وقُسمت المنازل إلى ثلاث مجموعات تقريبية وفق المسافة التي تفصلها عن عمليات استخراج الغاز غير التقليدية، وهي نحو نصف ميل، وأقل قليلًا من ميلين، وأكثر قليلًا من ثلاثة أميال.
وجمع الباحثون عينات المياه من الآبار قبل مرورها عبر أي مرشحات أو أنظمة معالجة.
وبذلك جرى تحليل المياه كما تخرج مباشرة من باطن الأرض، وأُرسلت جميع العينات إلى مختبرات متخصصة لفحصها، كما شارك الباحثون نتائج التحاليل مع أصحاب المنازل المشاركين في الدراسة.
وقالت باكا إن المجتمعات المحلية تريد معرفة مكونات مياه الشرب التي تعتمد عليها، وما إذا كانت آمنة للاستهلاك، مشيرة إلى أن الفريق أقام على مدار سنوات علاقات مع المجتمعات التي تعيش بالقرب من عمليات النفط والغاز غير التقليدية، بهدف بناء الثقة ومعالجة مخاوف السكان.
معظم الآبار لم تحمل دليلًا على تأثير مياه الصرف

من بين العينات الـ91، حملت 6 عينات فقط بصمة كيميائية يمكن ربطها بمياه الصرف الناتجة عن عمليات التكسير الهيدروليكي.
واعتبر الباحثون أن هذه النتيجة تمثل نسبة محدودة، وفسروها باعتبارها دليلًا على أن حوادث التسرب أو سوء التعامل مع مياه الصرف يمكن أن تسبب مشكلات محلية، وليس دليلًا على أن عمليات الحفر تؤدي على نطاق واسع إلى تلوث مياه الشرب.
وكانت الآبار الواقعة على مسافة تقل عن نحو ميلين من عمليات استخراج الغاز أكثر ميلًا إلى احتواء مستويات مرتفعة من الراديوم.
لكن الباحثين أكدوا أن هذا النمط لم يكن قويًا بدرجة كافية لإثبات وجود علاقة عامة ومباشرة بين عمليات الحفر وارتفاع مستويات الراديوم.
والأهم أن جميع العينات الـ91 ظلت دون الحد الفيدرالي المسموح به لمستويات الراديوم.
وحملت الدراسة المنشورة عنوان: «تحرير الراديوم من الصخور في طبقات المياه الجوفية الضحلة بالقرب من عمليات النفط والغاز غير التقليدية».
ويشير مصطلح «الراديوم المستمد من الصخور» إلى أن الصخور نفسها يُرجح أن تكون مصدر الراديوم الذي اكتُشف في المياه، وليس بالضرورة المواد الكيميائية التي تُضخ داخل آبار الغاز.

مصادر متعددة لملوحة المياه
وأوضح وارنر أن الراديوم يمثل جزءًا واحدًا فقط من قضية أكثر تعقيدًا تتعلق بتأثير الأنشطة القريبة من المنازل في جودة المياه التي يعتمد عليها السكان.
وقال إن مستويات الراديوم تميل إلى الارتفاع في المناطق التي ترتفع فيها ملوحة المياه، لكن الملوحة نفسها يمكن أن تنتج عن مجموعة واسعة من العوامل الأخرى.
ومن بين هذه العوامل ملح الطرق، وخزانات الصرف الصحي القريبة، وحتى مخلفات الحيوانات، والتي يمكن أن تسهم جميعها في زيادة ملوحة المياه في منطقة ما.
وقد يكون تعدد مصادر الملوثات أحد الأسباب التي تؤدي إلى تراجع الثقة في مياه الشرب، حتى في المناطق التي تظهر فيها نتائج الفحوص أنها آمنة.
المزيد من الأبحاث لكشف الصورة الكاملة
يعتزم فريق الدراسة تكرار الأبحاث باستخدام عدد أكبر من العينات، مع التركيز بصورة أكبر على المنازل القريبة من آبار النفط.
كما يخطط الباحثون لدراسة آبار النفط والغاز المهجورة المنتشرة في المنطقة، ومن بينها آبار حُفرت قبل ظهور تقنيات التكسير الهيدروليكي بوقت طويل.
وكانت أبحاث سابقة لوارنر قد رصدت بقاء مواد مشعة في بلح البحر الموجود في المياه العذبة بالقرب من منشأة لمعالجة مياه الصرف، وهو ما يشير إلى أن بعض الأسئلة المتعلقة بتأثير عمليات استخراج النفط والغاز في البيئة والمياه قد تحتاج إلى سنوات من البحث للوصول إلى إجابات كاملة.





