أخبارصحة الكوكب

ألوان صناعية في الطعام تثير القلق.. دراسات تربطها بفرط النشاط لدى بعض الأطفال

تحذيرات أمريكية من ألوان الطعام.. مخاطر محتملة على سلوك وانتباه الأطفال

تتجه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) إلى التخلص التدريجي من عدد من الألوان الصناعية المستخدمة في الأغذية، في خطوة لا تستند فقط إلى المخاوف المتعلقة بالسرطان، وإنما أيضًا إلى أدلة بحثية تربط بعض هذه الأصباغ بزيادة مشكلات الانتباه وفرط النشاط لدى نسبة من الأطفال.

 

وتشير مراجعة علمية حديثة إلى أن الجدل حول الألوان الصناعية لا يتعلق بخطر واحد، إذ ظهرت خلال العقود الماضية دراسات بحثت في تأثيرها المحتمل على سلوك الأطفال، بينما لا تزال الأدلة المتعلقة بإصابتها بالسرطان لدى البشر غير حاسمة.

ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية JAMA Health Forum.

 

لماذا تخضع ألوان الطعام لرقابة مشددة؟

تخضع الألوان الغذائية في الولايات المتحدة لقواعد تنظيمية أكثر صرامة من كثير من المكونات الأخرى.

 

وتشترط إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الحصول على موافقة مسبقة لاستخدام الألوان الصناعية في الأغذية، كما يجب اعتماد كل دفعة مصنعة من بعض الأصباغ قبل طرحها للاستخدام.

 

وتعود هذه القواعد إلى سلسلة من المخاوف الصحية التي ظهرت خلال القرن العشرين، بعدما ارتبطت بعض الأصباغ المستخدمة آنذاك بحالات مرضية.

 

وفي ستينيات القرن الماضي، أقر المشرعون الأمريكيون قواعد تمنع استخدام أي مادة ملونة يثبت أنها تسبب السرطان لدى البشر أو الحيوانات، فيما عُرف بتطبيق مبدأ “بند ديلاني” على الألوان الغذائية.

 

وبحلول مايو 2026، كانت إدارة الغذاء والدواء قد وافقت على استخدام 88 مادة ملونة في الأغذية، بينها 9 ألوان صناعية.

 

السرطان.. أدلة محدودة لدى البشر

السرطان

 

يعد اللون الأحمر رقم 3 أحد أبرز الأمثلة على الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية.

 

ففي يناير 2025، ألغت إدارة الغذاء والدواء ترخيص استخدامه في الأغذية، مع منح الشركات مهلة حتى يناير 2027 للامتثال للقرار.

 

واستند القرار إلى نتائج تجارب على الحيوانات، إذ أظهرت دراسة أجريت عام 1987 زيادة في الإصابة بسرطان الغدة الدرقية لدى ذكور الجرذان التي تعرضت لجرعات مرتفعة من الصبغة.

 

لكن الباحثين أشاروا إلى أن الآلية التي ظهرت في الجرذان مرتبطة بمسار هرموني خاص بهذه الحيوانات، وهو ما يجعل انتقال النتيجة مباشرة إلى البشر أمرًا غير مؤكد.

 

كما ربطت تجربة أجريت عام 2023 بين اللون الأحمر رقم 40 وتلف الحمض النووي والالتهاب في القولون لدى الفئران، بينما لم تجد دراسات أخرى سابقة التأثير نفسه.

 

وتظل المشكلة الأساسية أن الدراسات البشرية التي تربط كمية الأصباغ التي يستهلكها الأشخاص بخطر الإصابة بالسرطان لا تزال غير كافية لإثبات وجود علاقة مباشرة.

 

المخاوف تتجاوز السرطان

على الرغم من التركيز الكبير على السرطان، فإن جزءًا آخر من الأبحاث يتعلق بتأثير الألوان الصناعية على سلوك الأطفال.

 

وترجع هذه الفرضية إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما بدأ باحثون في دراسة احتمال تسبب الألوان الصناعية والمواد الحافظة في زيادة فرط النشاط لدى الأطفال.

 

وعُرفت هذه الفكرة لاحقًا باسم فرضية فينجولد.

 

وفي عام 1994، أشارت تجربة إلى أن تقليل استهلاك اللون الأصفر رقم 5 ارتبط بتحسن في بعض مقاييس السلوك لدى الأطفال.

 

وفي عام 2007، وجدت دراسة أخرى أن الأطفال الصغار الذين تناولوا كميات أكبر من اللون الأحمر رقم 40 أظهروا زيادة في فرط النشاط.

 

دراسة أمريكية تكشف ارتباطًا لدى بعض الأطفال

راجعت وكالة تقييم مخاطر الصحة البيئية في كاليفورنيا عام 2022 مجموعة واسعة من الدراسات المتعلقة بتأثير الألوان الصناعية على السلوك العصبي للأطفال.

 

وركزت المراجعة على التجارب التي حصل فيها الأطفال على جرعات محددة من الألوان أو دواء وهمي، ووجدت ارتباطًا بين استهلاك الألوان وتدهور السلوك في 64% من التجارب التي خضعت للتحليل.

 

وخلصت الوكالة كذلك إلى أن الحدود اليومية المقبولة التي تحددها الجهات التنظيمية باعتبارها آمنة قد لا تكون منخفضة بما يكفي لحماية الأطفال الأكثر حساسية لهذه المواد.

 

وتشير التقديرات إلى أن نحو 8% من الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) قد تكون بعض أعراضهم مرتبطة بالألوان الصناعية، في حين أن التخلص من هذه الألوان قد يؤدي إلى انخفاض الأعراض لدى هؤلاء الأطفال بنحو 5% إلى 6%.

 

ومع ذلك، فإن هذه النسبة لا تعني أن جميع الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يتأثرون بالأصباغ، كما لا توجد حاليًا طريقة طبية موثوقة لتحديد الطفل الذي سيستجيب لها.

 

لماذا تتحرك إدارة الغذاء والدواء الآن؟

أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في 22 أبريل 2025 خطة للتخلص التدريجي من الألوان الصناعية، لكنها اعتمدت حتى الآن بدرجة كبيرة على تعهدات الشركات بدلًا من فرض جميع الإجراءات من خلال قواعد تنظيمية جديدة.

 

وقال مفوض الإدارة مارتن ماكاري إن الآباء والأطباء لديهم مخاوف بشأن الألوان الغذائية المصنوعة من مشتقات النفط، خصوصًا أنها لا تقدم قيمة غذائية.

 

وبحلول 11 أغسطس 2026، أظهرت بيانات الإدارة أن عددًا من الشركات بدأ بالفعل إزالة الأصباغ الصناعية من منتجاته.

 

ومن بين الشركات التي أعلنت خطوات في هذا الاتجاه Tyson Foods وNestlé USA، كما أزالت شركة Target الألوان الصناعية المعتمدة من جميع أنواع الحبوب التي تبيعها، وغيرت سلسلة In-N-Out تركيبات بعض المشروبات والمنتجات الملونة.

 

وتذهب Walmart إلى أبعد من ذلك، إذ تعمل على إزالة الألوان الصناعية وأكثر من 30 مكونًا آخر من منتجات علاماتها الخاصة، مع استهداف يناير 2027 موعدًا نهائيًا لذلك.

 

6 ألوان صناعية ما زالت واسعة الاستخدام

لا تزال ستة ألوان صناعية مستخدمة على نطاق واسع في المنتجات الغذائية الأمريكية، وهي:

 

الأحمر رقم 40

الأصفر رقم 5

الأصفر رقم 6

الأزرق رقم 1

الأزرق رقم 2

الأخضر رقم 3

 

وتستهدف الخطة الحالية التخلص من هذه الألوان بحلول نهاية عام 2027.

 

وفي الوقت نفسه، بدأت بعض الولايات الأمريكية في اتخاذ إجراءات مستقلة، إذ حظرت كاليفورنيا استخدام ستة ألوان صناعية في الأطعمة المقدمة داخل المدارس العامة بموجب قانون صدر عام 2023، بينما تدرس ولايات أخرى تشريعات مشابهة.

 

البدائل الطبيعية ليست بلا تكلفة

قد تبدو الألوان المستخرجة من مصادر طبيعية مثل النباتات والخضراوات خيارًا أكثر أمانًا، لكن استبدال الألوان الصناعية بها يفرض تحديات على صناعة الأغذية.

 

فالألوان الطبيعية قد تكون أكثر تكلفة، وقد تؤثر في مدة صلاحية المنتجات أو مظهرها النهائي، كما أن المستهلكين لا يتقبلون دائمًا التغير في اللون.

 

لكن الباحثين يحذرون من أن التركيز على الأصباغ وحدها قد يصرف الانتباه عن مخاطر غذائية أخرى تتمتع بأدلة علمية أقوى.

 

ويشير الباحثون إلى أن الإفراط في تناول الصوديوم والسكريات المضافة والأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بأدلة أقوى بكثير بأمراض القلب والاضطرابات الأيضية.

 

كما أن الألوان الصناعية تظهر بصورة متكررة في المنتجات الغذائية فائقة المعالجة، حيث يساعد اللون الزاهي على جذب المستهلكين.

 

هل يمكن معرفة الأطفال الأكثر حساسية؟

لا يزال العلماء غير قادرين على تحديد سبب استجابة بعض الأطفال للألوان الصناعية دون غيرهم.

 

فبعض الدراسات ركزت على الأطفال المصابين أصلًا باضطرابات الانتباه، بينما شملت دراسات أخرى الأطفال بصورة أوسع، كما اختلفت طرق تعريف الحساسية بين الدراسات.

 

ولهذا السبب، لا يستطيع طبيب الأطفال حاليًا إجراء اختبار موثوق يحدد ما إذا كان طفل بعينه سيصاب بزيادة في فرط النشاط نتيجة تناول هذه الألوان.

 

ويرى الباحثون أن تقليل استهلاك الألوان الصناعية، خصوصًا الأصفر رقم 5 والأحمر رقم 3 والأحمر رقم 40، يمكن أن يكون إجراءً احترازيًا معقولًا، بالتزامن مع التركيز على تحسين النظام الغذائي بصورة عامة وتقليل الأطعمة فائقة المعالجة.

 

خطوة احترازية وليست حكمًا نهائيًا

لا تعني التحركات الأمريكية أن جميع الألوان الصناعية ثبت أنها تسبب السرطان أو اضطرابات السلوك لدى الأطفال.

 

فالأدلة تختلف من مادة إلى أخرى، كما أن التأثيرات السلوكية تبدو محصورة في نسبة من الأطفال، ولا توجد وسيلة سريرية لتحديدهم مسبقًا.

 

كما أن إدارة الغذاء والدواء لم تلغِ حتى الآن ترخيص جميع الأصباغ المستهدفة؛ إذ يظل الأحمر رقم 3 المثال الأبرز على اللون الذي ألغت الإدارة تصريح استخدامه، بينما تعتمد الإجراءات الخاصة بالألوان الأخرى بدرجة كبيرة على تعهدات الشركات.

 

ويرى الباحثون أن التخلص التدريجي من هذه الألوان يمكن اعتباره إجراءً احترازيًا في ظل وجود أدلة علمية ومجال من عدم اليقين، لكن الأهم هو عدم تجاهل العوامل الغذائية التي ترتبط بأضرار صحية أقوى وأكثر ثباتًا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة