لماذا قد تتحول موجات الحر هذا الصيف إلى أزمة جوع عالمية؟
موجات حر وجفاف واضطراب زراعي.. العالم يواجه خطر مجاعة بسبب إل نينيو
حذر علماء وخبراء في المناخ والزراعة من أن ظاهرة “إل نينيو الفائق” قد تدفع ملايين الأشخاص حول العالم نحو خطر المجاعة، في ظل تزايد موجات الحر والجفاف والاضطرابات المناخية التي تهدد إنتاج الغذاء العالمي.
ويرى الباحثون، أن الظاهرة المناخية وحدها ليست السبب الرئيسي للأزمة، بل إنها تكشف هشاشة النظام الغذائي العالمي المعتمد على الوقود الأحفوري والأسمدة الكيميائية وسلاسل الإمداد الطويلة، إلى جانب تأثير الحروب والديون وعدم المساواة الاقتصادية.
ما هو “إل نينيو الفائق”؟
تُعد ظاهرة “إل نينيو” نمطًا مناخيًا طبيعيًا يحدث في المحيط الهادئ ويؤثر على أنماط الطقس حول العالم.
لكن “إل نينيو الفائق” يمثل نسخة أكثر شدة، إذ ترتفع حرارة مياه المحيط الهادئ بأكثر من درجتين مئويتين فوق المتوسطات التاريخية، ما يؤدي إلى اضطرابات مناخية واسعة تشمل موجات حر شديدة وجفافًا وفيضانات في مناطق مختلفة من العالم.
ويحذر العلماء من أن هذه الظروف قد تتسبب في تراجع المحاصيل الزراعية وتفاقم انعدام الأمن الغذائي خلال الأشهر المقبلة.
الحرارة تهدد الزراعة والعمل

أشارت دراسات صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ومنظمة الأرصاد الجوية العالمية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة قد يجعل العمل الزراعي غير آمن لفترات طويلة من العام في جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء من الأمريكتين.
كما تتراجع إنتاجية المحاصيل بشكل حاد عندما تتجاوز درجات الحرارة 30 درجة مئوية، بينما تؤدي الضغوط الحرارية إلى انخفاض إنتاجية الماشية وارتفاع معدلات نفوقها.
أزمة تتجاوز المناخ

يرى الباحثون، أن الجوع العالمي ليس مجرد نتيجة للطقس المتطرف، بل يرتبط أيضًا بعوامل سياسية واقتصادية معقدة.
فالحروب تعطل التجارة وسلاسل الإمداد، بينما تحد الديون وعدم المساواة من قدرة الدول الفقيرة على استيراد الغذاء أو دعم الأسر الأكثر ضعفًا.
كما يعتمد النظام الغذائي العالمي بشكل كبير على الأسمدة الكيميائية المصنعة من الوقود الأحفوري، والتي تُنقل لمسافات طويلة.
وفي حال تعطل وصول هذه الأسمدة خلال مواسم الزراعة، تظهر آثار ذلك بعد أشهر في صورة انخفاض بالمحاصيل وارتفاع الأسعار.
أفريقيا الأكثر هشاشة

تُعد دول أفريقيا جنوب الصحراء من أكثر المناطق تعرضًا للخطر، إذ تستورد نحو 80% من احتياجاتها من الأسمدة.
ومع ارتفاع تكاليف الغذاء والديون، تجد الحكومات نفسها عاجزة عن توفير حماية كافية للسكان عند وقوع الأزمات المناخية أو الاقتصادية.
وأشار الباحثون إلى أن معدلات الجوع ترتفع بوتيرة أسرع في الدول التي تعتمد بشدة على استيراد الغذاء وتعاني في الوقت نفسه من أعباء الديون.
الإنتاج الحيواني في قلب الأزمة
تنتقد الدراسة النظام الزراعي العالمي القائم على تربية الماشية بكثافة، معتبرة أنه من أكثر القطاعات استهلاكًا للأسمدة والطاقة والوقود الأحفوري.
ويُسهم قطاع الثروة الحيوانية بنحو 14.5% من إجمالي الانبعاثات البشرية المسببة للاحتباس الحراري.
كما تُستخدم مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية لإنتاج الذرة وفول الصويا المخصصين لتغذية الحيوانات بدلًا من إنتاج غذاء مباشر للبشر.
الطلب على اللحوم يفاقم الضغوط
تشير التوقعات إلى أن إنتاج اللحوم عالميًا قد يتضاعف بين أوائل الألفية الحالية وعام 2050.
وعند احتساب أراضي الرعي والمحاصيل المخصصة للأعلاف، يتبين أن الثروة الحيوانية تستحوذ على نحو 80% من الأراضي الزراعية عالميًا.
ويرى الباحثون أن استمرار التوسع في هذا النموذج الزراعي يزيد استهلاك الطاقة والأسمدة والانبعاثات، في وقت يحتاج فيه العالم إلى تقليل الضغوط البيئية وليس زيادتها.
الزراعة البيئية كبديل
يدعو الباحثون إلى التحول نحو الزراعة البيئية المعتمدة على التنوع الزراعي وتقليل المدخلات الكيميائية، بدلًا من الاعتماد المكثف على الأسمدة والمبيدات.
وتعتمد الزراعة البيئية على تحسين صحة التربة وتدوير المغذيات واستخدام محاصيل متنوعة تتكيف مع الظروف المحلية.
ورغم أن بعض الشركات الزراعية الكبرى تدّعي أن الزراعة الكيميائية أكثر إنتاجية، يؤكد الباحثون أن هذه المقارنات لا تأخذ في الحسبان الأضرار البيئية وتدهور التربة وتلوث المياه.
تجارب ناجحة في أفريقيا
استشهدت الدراسة بتجارب في جنوب مالاوي، حيث انتقل المزارعون من زراعة الذرة الأحادية المعتمدة على الأسمدة المكلفة إلى زراعة مختلطة تجمع بين الذرة والبقوليات مثل اللوبيا والفول السوداني.
وأدى ذلك إلى زيادة إنتاج الذرة بنحو 800 كيلوغرام للهكتار مع تقليل استخدام الأسمدة، إضافة إلى توفير محاصيل غنية بالبروتين وتحسين قدرة المزارع على مقاومة سنوات الجفاف.
الحاجة إلى تغيير سياسي
أكد الباحثون، أن مواجهة خطر المجاعات المستقبلية لا تتطلب فقط مساعدات طارئة، بل تغييرات هيكلية في طريقة إنتاج الغذاء عالميًا.
كما دعوا الحكومات إلى إعادة توجيه الدعم الزراعي نحو إنتاج الغذاء المخصص للبشر بدلًا من الأعلاف الحيوانية، مع تعزيز النظم الزراعية الأكثر استدامة وقدرة على التكيف مع تغير المناخ.
ويرى الخبراء، أن الصدمات المناخية والجيوسياسية، سواء كانت ناتجة عن “إل نينيو” أو الحروب أو الاحتباس الحراري، تضرب نظامًا غذائيًا عالميًا يعاني بالفعل من هشاشة عميقة، ما يجعل التحول إلى أنظمة غذائية أكثر عدالة واستدامة ضرورة ملحة.





