أخبارالتنمية المستدامةتغير المناخ

قاع البحر يخزن الكربون وينظم المغذيات.. لكن النشاط البشري يهدد هذا النظام

مئات المليارات من الأطنان من الكربون مخزنة في قاع البحار.. واضطرابها يهدد المناخ

ليس قاع البحر مجرد أرضية تقع أسفل المحيطات، بل يمثل جزءًا حيويًا من نظام الأرض، إذ تحتضن رواسبه وشعابه وحقوله من بلح البحر وغاباته البحرية والكائنات الحافرة ومجتمعاته الميكروبية أنظمة بيئية تؤدي دورًا مهمًا في تخزين الكربون وتنظيم دورات المغذيات والحفاظ على السلاسل الغذائية البحرية.

وتغطي المحيطات نحو ثلثي سطح الأرض، ويبلغ متوسط عمقها قرابة 4 كيلومترات، وقد ساعدت أعماق قاع البحر وبُعدها لفترة طويلة على حمايتها من الاضطرابات البشرية واسعة النطاق.

لكن هذا الوضع يتغير بسرعة، إذ تصل عمليات الصيد بشباك الجر القاعية حاليًا إلى أعماق تقترب من 4 آلاف متر، ويؤدي هذا النشاط وحده إلى اضطراب ما يصل إلى 2% من قاع المحيطات عالميًا كل عام.

كما يمكن لعمليات تعدين عقيدات المنغنيز أن تؤثر بصورة مباشرة في أكثر من 200 كيلومتر مربع من قاع البحر في موقع واحد، بينما تؤثر مراسي السفن وممرات الشحن والكابلات وخطوط الأنابيب وغيرها من البنية التحتية في قاع البحار، من المناطق الساحلية حتى أعماق تتجاوز 6 آلاف متر.

وتتناول دراسة جديدة أهمية الحفاظ على سلامة قاع البحر ودوره في نظام الأرض، ضمن فصل خاص بعنوان «سلامة قاع البحر: لماذا يهم قاع المحيط؟» أُضيف هذا العام إلى تقرير الفحص الصحي للكوكب (Planetary Health Check – PHC).

وقال جاكوب جيرسن، عالم الجيوعلوم البحرية في معهد لايبنيتس لأبحاث بحر البلطيق في فارنيمونده والمؤلف الرئيسي للفصل، إن قاع البحر يجب فهمه باعتباره جزءًا متكاملًا من نظام الأرض.

وأوضح أن حرث الرواسب أو إحداث تغييرات جوهرية في النظم البيئية البحرية لا يمثل مجرد اضطراب محلي لقاع البحر، بل قد يتداخل مع عمليات مسؤولة عن تخزين الكربون وإعادة تدوير المغذيات واستقرار السلاسل الغذائية البحرية بأكملها.

وتشير الدراسة إلى أن مفهوم «سلامة قاع البحر» يشمل مدى الحفاظ على بنيته الفيزيائية، ومجتمعاته الحيوية، ووظائفه الكيميائية، لكنه لم يُعتمد حتى الآن باعتباره حدًا كوكبيًا إضافيًا ضمن الحدود الكوكبية المعترف بها علميًا.

أهمية الحفاظ على سلامة قاع البحر ودوره في نظام الأرض

اضطراب قاع البحر قد يطلق الكربون المخزن

تظهر أهمية قاع البحر بصورة خاصة عند النظر إلى دوره في دورة الكربون.

فطبقات الرواسب الموجودة على الرفوف القارية تخزن مئات المليارات من الأطنان من الكربون العضوي، وتمثل الجزء الأكبر من التخزين طويل الأمد للكربون داخل الرواسب البحرية.

لكن تكرار اضطراب هذه الرواسب يمكن أن يؤدي إلى إطلاق جزء من الكربون المخزن على هيئة ثاني أكسيد الكربون (CO₂).

وتشير نماذج عالمية إلى أن الصيد بشباك الجر القاعية وحده قد يؤدي إلى تحرير أكثر من 100 مليون طن من الكربون من الرواسب سنويًا، إلا أن الباحثين يؤكدون وجود قدر كبير من عدم اليقين بشأن كمية هذا الكربون التي ينتهي بها المطاف في الغلاف الجوي على هيئة ثاني أكسيد الكربون إضافي.

وقالت ليفكه قيصر، الباحثة في المناخ بمعهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ والرئيسة المشاركة لمختبر علوم الحدود الكوكبية، إن تقرير الفحص الصحي للكوكب لعام 2026 يسلط الضوء على الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها المصارف الطبيعية للكربون.

وأشارت إلى أن التركيز لا ينبغي أن يقتصر على الغابات والتربة على اليابسة، لأن قاع البحر يمثل أيضًا جزءًا من منظومة تخزين الكربون، بينما لا يزال العلماء في بداية فهم نتائج الإضرار بوظيفته في التخزين طويل الأمد.

قاع البحر ينظم دورات النيتروجين والفوسفور والكربون

لا تقتصر أهمية قاع البحر على تخزين الكربون، إذ تؤثر الكائنات التي تعيش فوقه وداخله في السلاسل الغذائية البحرية، كما تعمل الكائنات الدقيقة وكيمياء الرواسب معًا على تنظيم تبادل النيتروجين والفوسفور والكربون بين قاع البحر والمياه المحيطة.

وعندما تتعرض هذه الأنظمة للتدمير أو الاضطراب، تتغير دورات المواد ووظائف النظم البيئية.

وتظل تداعيات هذه الاضطرابات غير مفهومة بصورة كافية، خصوصًا في أعماق البحار، إلا أن تجارب التعدين في أعماق المحيطات أظهرت أن بعض آثار الاضطراب يمكن أن تستمر لعقود.

تعدين قاع البحر يهدد الحياة البحرية.. ناميبيا تمضي قدمًا في مشروع الفوسفات
قاع البحر

بحر البلطيق نموذج لما قد يحدث للمحيطات

استخدم الباحثون بحر البلطيق مثالًا على مدى عمق فقدان سلامة قاع البحر.

فقد تراكمت فيه آثار التدخل البشري على مدى عقود وقرون، بالتزامن مع تأثيرات الاحترار العالمي وتحمض المحيطات والإثراء الغذائي المفرط ونقص الأكسجين.

وبالنظر إلى بنية قاع البحر وكيميائه الحيوية والنظم البيئية القاعية، خلص الباحثون إلى أن كل متر مربع من قاع بحر البلطيق تأثر بالتدخل البشري ولم يعد في حالة طبيعية تمامًا.

وتتسم العديد من هذه التغيرات بطابع طويل الأمد، بينما قد تكون بعض الحالات غير قابلة للعكس.

وقال جيرسن إن بحر البلطيق يمكن أن يمثل «نافذة على مستقبل» مناطق بحرية أخرى إذا استمرت الضغوط البشرية على قاع البحر في الارتفاع.

حماية قاع البحر تحتاج إلى إدارة متكاملة

يوصي الباحثون بأن تأخذ خطط التخطيط المكاني البحري وتقييمات الأثر البيئي في الاعتبار ليس فقط الأنواع والموائل، ولكن أيضًا الوظائف البيئية لقاع البحر، مثل تخزين الكربون ودورات المغذيات.

ويؤكدون ضرورة إعطاء أولوية خاصة لحماية النظم البيئية في أعماق البحار، التي تتسم بمعدلات تجدد بطيئة للغاية، وكذلك الرواسب الغنية بالكربون من التدخل البشري المكثف.

وفي الوقت نفسه، يحتاج العلماء إلى فهم أفضل للأنشطة البشرية التي تغير قاع البحر في المناطق المختلفة، وتحديد مدى تكرار هذه الأنشطة وشدتها.

ويمثل ذلك أيضًا تحديًا قانونيًا، لأن الصيد والشحن والتعدين وحماية التنوع البيولوجي تخضع غالبًا لأطر تنظيمية منفصلة، رغم أن تأثيراتها المختلفة قد تتراكم على قاع البحر نفسه.

اتفاق دولي جديد يعزز حماية التنوع البيولوجي البحري

يشكل اتفاق الأمم المتحدة بشأن حفظ التنوع البيولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج حدود الولاية الوطنية (BBNJ)، الذي دخل حيز التنفيذ في يناير 2026، أحد الأطر القانونية ذات الصلة، إذ ينص من بين أمور أخرى على إنشاء مناطق بحرية محمية وتعزيز متطلبات تقييم الأثر البيئي.

ومع ذلك، تظل السلطة الدولية لقاع البحار مسؤولة عن تنظيم استخراج الموارد المعدنية في المناطق الواقعة خارج الولاية الوطنية.

وقالت نيله ماتس-لوك، المديرة المشاركة لمعهد فالتر شوكينج للقانون الدولي بجامعة كيل، إن الخطوة الحاسمة تتمثل في التوقف عن التعامل مع الاستخدامات المختلفة لقاع البحر وتأثيراتها التراكمية باعتبارها قضايا منفصلة، خصوصًا في ظل محدودية المعرفة العلمية بالأنشطة البشرية في أعماق البحار.

وأوضحت أن القانون البحري الدولي يوفر بالفعل نقاط انطلاق مهمة، لكن فعالية هذه الأطر تعتمد على مدى دمج النتائج العلمية بكفاءة في المناطق البحرية المحمية، وتقييمات الأثر البيئي، والقرارات المتعلقة باستخدام قاع البحر.

الرواسب المعدنية المكتشفة في قاع البحر

لا يوجد حتى الآن مؤشر عالمي لسلامة قاع البحر

يرى الباحثون أن إحدى المهام الأساسية للعلم خلال المرحلة المقبلة تتمثل في تطوير طرق أفضل لقياس سلامة قاع البحر وتحديد دوره في نظام الأرض.

وعلى عكس الحدود الكوكبية المعروفة التي جرى تحديدها بالفعل، لا يوجد حتى الآن مؤشر عالمي معتمد لرصد سلامة قاع البحر، ولا قيمة حدية عالمية مثبتة علميًا يمكن استخدامها لتحديد متى يصبح اضطراب قاع البحر خطرًا على استقرار النظام الأرضي.

ولذلك، هناك حاجة إلى بيانات رصد أفضل بشأن مستويات الضغط التي يتعرض لها قاع البحر، ومدى حساسيته، وقدرته على التعافي، بما يساعد العلماء على تطوير مؤشرات قوية وتوفير حماية تتناسب مع أهمية المناطق البحرية المختلفة وحساسيتها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة