أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

من يدفع ثمن خفض الانبعاثات؟ دراسة تكشف كيف تعيد العدالة رسم مسارات العمل المناخي

خفض الانبعاثات وحده لا يكفي.. دراسة تكشف أهمية تحديد من يدفع ومن يتحمل العبء

لم يعد تحقيق أهداف المناخ العالمية مرتبطًا فقط بحجم الانبعاثات التي يجب خفضها، بل أصبح السؤال الأكثر تعقيدًا هو: من يخفض الانبعاثات؟ ومن يدفع تكلفة التحول؟

تكشف دراسة جديدة أن إدخال مبادئ العدالة في نماذج المناخ منذ البداية يمكن أن يفتح مسارات مختلفة لتحقيق الهدف المناخي العالمي نفسه، مع إعادة توزيع أعباء خفض الانبعاثات والتدفقات المالية بين مناطق العالم.

وقاد الدراسة فريق من الباحثين في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA)، حيث بحثوا كيف يمكن دمج مفهوم «الحصص العادلة» في نماذج التحول المناخي بدلًا من تقييم العدالة بعد تحديد المسار الأقل تكلفة.

ونُشرت الدراسة في دورية Environmental Research Letters.

العدالة قبل حساب التكلفة

تعمل معظم نماذج المناخ بالطريقة التقليدية من خلال البحث عن المسار الأقل تكلفة لتحقيق هدف مناخي محدد، ثم يجري لاحقًا تقييم مدى عدالة توزيع الأعباء بين الدول والمناطق.

لكن الباحثين اتبعوا نهجًا مختلفًا، إذ بدأوا بمسار عالمي قائم لخفض الانبعاثات، ثم وزعوا ميزانية الكربون بين مناطق العالم وفق مبادئ مختلفة للعدالة.

نشطاء يطالبون بالعدالة المناخية

وبموجب هذا النهج، تتحمل المناطق التي تجاوزت نصيبها العادل من الانبعاثات ما وصفه الباحثون بـ«دين الكربون»، ويمكنها معالجة هذا الدين بعدة طرق.

وتشمل هذه الخيارات خفض الانبعاثات بوتيرة أسرع داخل حدودها، أو إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، أو تمويل مشروعات لخفض الانبعاثات في مناطق أخرى عبر تحويلات مالية مباشرة.

بعد ذلك يبحث النموذج عن أقل الطرق تكلفة لتحقيق الهدف المناخي العالمي، مع ضمان التزام كل منطقة بحصتها العادلة من جهود الخفض.

المال يعيد توزيع أعباء التحول

اختبر الباحثون هذا النهج باستخدام إطار النمذجة الخاص بـIIASA، وبدأوا بمسار يتوافق مع الحد من الاحترار العالمي إلى نحو درجتين مئويتين.

وقارنوا بين سيناريوهين مختلفين.

في السيناريو الأول، سُمح للمناطق بتحويل مبالغ مالية غير محدودة لتمويل جهود خفض الانبعاثات في مناطق أخرى.

وأظهرت النتائج أن التحول الفعلي في أنظمة الطاقة لم يتغير بصورة كبيرة، لكن التدفقات المالية بين المناطق تغيرت بصورة ملحوظة، إذ تراوحت بين 10.1 تريليون و44.8 تريليون دولار.

أما عندما فرض الباحثون قيودًا أكبر على الاعتماد على التحويلات المالية، فقد انخفض حجم هذه التحويلات بأكثر من النصف، واضطرت المناطق ذات المسؤولية التاريخية الأكبر عن الانبعاثات إلى تنفيذ نسبة أكبر من الخفض داخل أراضيها.

وفي هذه الحالة، انخفض استخدام الوقود الأحفوري عالميًا بحلول عام 2040 بنسبة تتراوح بين 3% و21% مقارنة بالمسار التقليدي الأقل تكلفة.

وفي الوقت نفسه، ظلت الاتجاهات العامة للتحول نحو الطاقة المتجددة والكهرباء، وكذلك إجمالي الانبعاثات بحلول عام 2100، متقاربة إلى حد كبير مع المسار الأساسي.

تكلفة العدالة المناخية محدودة

الدول النامية تقود معركة قانونية عالمية لإقرار العدالة المناخية
الدول النامية تقود معركة قانونية عالمية لإقرار العدالة المناخية

تشير الدراسة إلى أن إدخال العدالة في حسابات التحول المناخي لا يعني بالضرورة ارتفاعًا هائلًا في التكلفة الاقتصادية العالمية.

فمقارنة بمستقبل لا تُطبق فيه سياسات مناخية جديدة، ينخفض الاستهلاك العالمي بنحو 0.8% في المسار الذي يركز على الكفاءة الاقتصادية.

وعند إضافة قيود العدالة وتشديد القيود على التحويلات المالية، يصل انخفاض الاستهلاك إلى 1.3% كحد أقصى.

ويرى الباحثون أن هذه الزيادة المحدودة نسبيًا في التكلفة تأتي مقابل تغيير كبير في طريقة توزيع جهود خفض الانبعاثات بين مناطق العالم.

كما أظهرت النتائج أن المناطق ذات المسؤولية التاريخية الأقل والقدرة الاقتصادية الأقل يمكن أن تحقق مكاسب مالية مقارنة بالمسار التقليدي الذي يركز فقط على خفض التكلفة.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، سيتو بيلز من IIASA، إن دمج الحصص العادلة في بناء السيناريوهات يغير شكل التحول، مع الحفاظ على النتيجة المناخية المستهدفة.

وأضاف أن سيناريوهات الحصص العادلة توفر أدلة جديدة يمكن أن تساعد في ترجمة الطموح المناخي العالمي إلى إجراءات على المستوى الإقليمي.

ليست كل أشكال التعاون متساوية

لم تقتصر الدراسة على مقارنة الخفض المحلي بالتحويلات المالية، بل بحثت أيضًا في تأثير شكل التعاون بين المناطق.

وأظهرت النتائج أن حصر التعاون في تمويل مشروعات احتجاز الكربون وتخزينه جيولوجيًا كان أكثر تكلفة بصورة كبيرة، إذ بلغت تكلفة كل طن من خفض الانبعاثات نحو 10 أضعاف التكلفة في السيناريو الذي يسمح بمجموعة أوسع من خيارات التخفيف.

وحتى في السيناريو الأوسع للتعاون، اعتمدت المناطق ذات المسؤولية الأكبر في الغالب على خفض الانبعاثات داخل أراضيها بدلًا من الاعتماد الكامل على التحويلات المالية.

وقالت الباحثة المشاركة شونالي باتشوري من IIASA إن العدالة غالبًا ما يجري تقييمها بعد تحديد المسار العالمي الأقل تكلفة، بينما تظهر نتائج الدراسة أهمية إدخالها منذ بداية التحليل، لأنها تكشف طرقًا مختلفة لتوزيع الجهد مع تحقيق النتيجة المناخية العالمية نفسها.

وأشار الباحث المشارك أوليفر فريكو إلى أن تحقيق الهدف المناخي ذاته يمكن أن يتم من خلال أكثر من مسار، موضحًا أن التوازن بين خفض الانبعاثات محليًا والتعاون المالي يمكن أن يتغير بصورة كبيرة، بما ينعكس على تطور أنظمة الطاقة في المناطق المختلفة.

هدف 1.5 درجة يضيّق مساحة المناورة

العالم خسر رهان المناخ وخطر تجاوز 1.5 درجة مستمر
العالم خسر رهان المناخ وخطر تجاوز 1.5 درجة مستمر

اختبر الباحثون النموذج نفسه على هدف أكثر طموحًا، يتمثل في العودة إلى مسار يحد الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن.

وأظهرت النتائج أن عددًا من المسارات القابلة للتطبيق لا يزال موجودًا، لكن مساحة المناورة تقل بصورة واضحة عندما يصبح الهدف أكثر طموحًا.

فقد أصبحت الخيارات المتعلقة بمكان تنفيذ الخفض الفعلي للانبعاثات أكثر محدودية، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على التحويلات المالية بين المناطق.

وبالمقارنة مع سيناريو درجتين مئويتين، تضاعفت كمية التمويل المطلوبة تقريبًا عندما سُمح بتحويلات مالية غير محدودة.

وحتى مع فرض قيود على التحويلات، ظل حجم التمويل قريبًا من هذا المستوى.

العدالة جزء من تصميم السياسات المناخية

يشدد الباحثون على أن التدفقات المالية الواردة في النموذج تمثل تحويلات واسعة بين المناطق، ولا ينبغي اعتبارها مخططات جاهزة لأسواق الكربون أو آليات تمويل محددة.

لكن النتائج، بحسب الدراسة، تشير إلى أن العدالة يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من نمذجة السياسات المناخية، وليس عنصرًا يضاف بعد الانتهاء من تحديد المسار الأقل تكلفة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية مع استعداد الدول لتحديث التزاماتها المناخية، إلى جانب التحضيرات للجولة الثانية من التقييم العالمي لاتفاق باريس (Global Stocktake).

وتشير الدراسة إلى أن تقييم المسارات المناخية لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: ما المسار الأقل تكلفة لتحقيق الهدف العالمي؟ بل يجب أن يشمل أيضًا سؤالًا آخر: كيف يمكن توزيع جهود خفض الانبعاثات وتكاليف التحول بصورة أكثر عدالة بين مناطق العالم؟

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة