علماء يحذرون: العالم يدخل عصر الكوارث المناخية.. والأسوأ قد يكون في الطريق
العالم يقترب من كوارث مناخية غير مسبوقة.. «الصدمات الأكبر قادمة»
لم تعد التحذيرات من موجات الحر الشديدة والعواصف والفيضانات والجفاف مجرد سيناريوهات بعيدة أو أفكارًا تنتمي إلى عالم الخيال العلمي، إذ تتزايد المؤشرات على أن العالم يدخل مرحلة جديدة من الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة، بينما يحذر علماء من أن الصدمات الأكبر قد تكون في الطريق.
وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم بالفعل عددًا متزايدًا من الكوارث المناخية واسعة النطاق، تتراكم العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات أكثر شدة، مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتزايد تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي.
ويؤكد العلماء أن التحذير من «الأشد تطرفًا» أو «الكارثة الكبرى المقبلة» لا يعني القدرة على تحديد موعد وقوع كارثة بعينها، إذ لا يمكن التنبؤ بدقة بالسنة أو العقد الذي قد يشهد حدثًا مناخيًا كارثيًا.
لكن المخاطر نفسها أصبحت أكبر، فيما تتقلص الفترات الزمنية الفاصلة بين موجات الطقس المتطرف في مناطق مختلفة من العالم.
وقال عالم المناخ دانيال سوين من معهد كاليفورنيا لموارد المياه إن المشكلة تتمثل في أن الناس قد يعتقدون أن العلماء يبالغون في تحذيراتهم، مشيرًا إلى أن التحذير من خطر محتمل يصبح أكثر أهمية عندما تكون المؤشرات على وقوعه أمامنا بالفعل.

أكثر من 150 عامًا من التحذيرات
تعود معرفة العلماء بتأثير غازات الدفيئة في ارتفاع حرارة الأرض إلى أكثر من 150 عامًا.
ففي خمسينيات القرن التاسع عشر، أجرت العالمة الأمريكية يونس نيوتن فوت تجارب وضعت خلالها مواد مختلفة، من بينها ثاني أكسيد الكربون والهواء الرطب، داخل أسطوانات زجاجية عرّضتها لأشعة الشمس.
وأظهرت تجاربها أن الأسطوانة التي تحتوي على ثاني أكسيد الكربون، وهو أحد غازات الدفيئة الناتجة عن حرق الفحم والنفط والغاز، ارتفعت حرارتها بصورة أسرع، كما احتفظت بالحرارة لفترة أطول بعد غروب الشمس.
واليوم، يتعرض كوكب الأرض للتسخين نتيجة ضخ كميات هائلة من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، ما أدى إلى ارتفاع تدريجي في متوسط درجة الحرارة العالمية.
وفي عام 2025، بلغ متوسط حرارة الأرض نحو 1.44 درجة مئوية أعلى من مستويات أوائل القرن التاسع عشر، وفق البيانات الواردة في التقرير، وهو ارتفاع يرتبط بزيادة تواتر وشدة الظواهر الجوية المتطرفة.
عصر مناخي جديد من التطرف
يشهد العالم في أي وقت عددًا كبيرًا من الظواهر الجوية المتطرفة في مناطق مختلفة، وبعضها بلغ بالفعل أحجامًا وآثارًا دفعت العلماء إلى الحديث عن الدخول في عصر مناخي أكثر تطرفًا.
ففي أستراليا، أدت حرائق «الصيف الأسود» خلال عامي 2019 و2020 إلى احتراق نحو 19 مليون هكتار من الأراضي.
وفي باكستان عام 2022، تسببت الفيضانات في غمر نحو ثلث مساحة البلاد بالمياه.
كما تعرضت أجزاء من جنوب الولايات المتحدة لدمار واسع بسبب الإعصارين ميلتون وهيلين عام 2024.
ولا تقتصر المخاطر على هذه الكوارث الكبرى، إذ شهدت مناطق مختلفة في السنوات الأخيرة فيضانات مدمرة وحرائق غابات واسعة، من بينها فيضانات تكساس وحرائق لوس أنجلوس، إلى جانب أعاصير وعواصف شديدة ضربت دولًا آسيوية.
وترى عالمة المناخ سارة بيركنز-كيركباتريك من الجامعة الوطنية الأسترالية أن استمرار الظواهر المتطرفة حتى بعد الوصول الفوري إلى صافي انبعاثات صفرية كان بمثابة لحظة إدراك مهمة بالنسبة إليها.
وتكمن المشكلة في أن ثاني أكسيد الكربون يمكن أن يبقى في الغلاف الجوي لمئات السنين، ما يعني أن كمية كبيرة من الغازات التي تراكمت بالفعل ستستمر في التأثير على المناخ لفترات طويلة، حتى لو توقفت الانبعاثات الجديدة.
وكلما استمر العالم في إضافة مزيد من غازات الدفيئة، أصبح عكس الأضرار المناخية أكثر صعوبة.

العالم غير مستعد لكارثة مناخية كبرى
من أبرز الحقائق التي تتضح مع تزايد الظواهر المتطرفة أن أي دولة في العالم ليست مستعدة بصورة كاملة للتعامل مع كارثة مناخية واسعة النطاق.
كما أن طبيعة المخاطر نفسها تتغير.
ويرى الكاتب الأمريكي كيم ستانلي روبنسون، مؤلف رواية «وزارة المستقبل»، أنه لو كان يكتب الرواية اليوم لأضاف فصلًا عن حرائق الغابات التي أصبحت أكبر وأكثر تدميرًا.
وتتناول الرواية، التي صدرت عام 2020، موجة حر كارثية تتزامن مع انهيار شبكة الكهرباء في الهند، ما يؤدي في الرواية إلى وفاة ملايين الأشخاص.
ورغم أن روبنسون يرى أن السيناريو المحدد الذي تناولته الرواية بشأن الهند قد يكون أقل احتمالًا اليوم، بسبب انخفاض الاعتماد على شبكة الكهرباء والتوسع في الطاقة الشمسية، فإنه يعتقد في الوقت نفسه أن المخاطر المناخية الكبرى أصبحت أكبر.
ويؤكد أن الرواية لا تزال تحتفظ بأهميتها في ظل التطورات المناخية الحالية.

لماذا يصعب على البشر التفكير في أسوأ السيناريوهات؟
يرى العلماء أن البشر لديهم ميل طبيعي إلى تجنب التفكير في السيناريوهات المقلقة أو غير المريحة.
ويُعد تغير المناخ، بما يحمله من مخاطر واسعة وممتدة، من القضايا التي يمكن أن تثير مشاعر العجز والقلق، ما يدفع الحكومات والأفراد أحيانًا إلى تجاهلها بدلًا من الاستعداد لها.
لكن التعامل مع الظواهر المناخية القصوى يضع العلماء أمام تحدٍ إضافي؛ فمن المستحيل تحديد موعد وقوع كارثة بعينها بدقة.
ومع ذلك، تتطور النماذج المناخية باستمرار، بينما تشير البيانات إلى تقلص الفترات الزمنية بين الأحداث المتطرفة.
وتشبه عالمة المناخ السويسرية سونيا سينيفيراتني، نائبة رئيس إحدى مجموعات العمل التابعة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، الأمر بخطر الإصابة بسرطان الرئة نتيجة التدخين.
فليس كل مدخن سيصاب بالسرطان، لكن التدخين يرفع احتمالات الإصابة بدرجة كبيرة، ولذلك يجب على الأطباء التحذير من الخطر.
وبالمثل، فإن كل زيادة إضافية في درجة حرارة الأرض ترفع احتمالات وقوع أحداث مناخية شديدة التطرف.
وقالت سينيفيراتني إن العلماء قد يواجهون انتقادات في حال وقوع حدث كارثي بدعوى أنهم لم يحذروا منه، مؤكدة أنهم بالفعل حذروا من هذه المخاطر.

الاستعداد للكوارث ممكن
يمكن الاستفادة من تجارب الاستعداد للزلازل في المناطق المعرضة للخطر كنموذج لما يمكن فعله في مواجهة مخاطر المناخ.
فعلى الرغم من أن الزلازل ليست مرتبطة بتغير المناخ، فإن العديد من مدن كاليفورنيا، ولا سيما لوس أنجلوس، طورت خططًا واسعة للاستعداد للزلازل المحتملة.
وكانت عالمة الزلازل لوسي جونز من أبرز المشاركين في هذه الجهود، إذ عملت عام 2014، عندما كانت ضمن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، مع إدارة عمدة لوس أنجلوس آنذاك إريك غارسيتي لتطوير مبادرة أدت إلى تنفيذ عمليات واسعة لتدعيم المباني وتعزيز الاستعداد للزلازل.
وامتدت الجهود لاحقًا إلى مدن أخرى في كاليفورنيا، كما أسست جونز منظمة غير ربحية تقدم المشورة بشأن الاستعداد للزلازل والكوارث الأخرى.
وترى جونز أن الناس يمكن أن يغيروا سلوكهم إذا اقتنعوا بأن المخاطر حقيقية وأن الحلول ممكنة، بينما يؤدي غياب هذا الاعتقاد غالبًا إلى تجاهل المشكلة.

السينما بين التهويل والإنكار
على مدى ربع القرن الماضي، تناولت أفلام عديدة سيناريوهات الطقس المتطرف والكوارث المناخية، لأنها توفر عناصر التشويق والخطر.
لكن معظم هذه الأعمال السينمائية تنتهي بأحد سيناريوهين: إما أن تنجو البشرية ويعود كل شيء إلى طبيعته، أو تحدث نهاية كارثية شاملة.
وفي فيلم «The Day After Tomorrow» الصادر عام 2004، يحذر عالم المناخ جاك هول من أن عدم خفض انبعاثات غازات الدفيئة سيؤدي إلى ظواهر مناخية شديدة التطرف.
ثم تحدث في الفيلم سلسلة من الكوارث تشمل الأعاصير والفيضانات والبرد الشديد، قبل أن تدخل مناطق واسعة من نصف الكرة الشمالي في تجمد كارثي.
أما فيلم «Don’t Look Up» الصادر عام 2021، فيقدم معالجة ساخرة لسيناريو مختلف، إذ يكتشف عالمان فلكيان مذنبًا ضخمًا يتجه نحو الأرض، ويحاولان إقناع الحكومات والجمهور باتخاذ إجراءات لمنع الكارثة.
لكن في نهاية الفيلم تفشل محاولات الإنقاذ ويموت معظم البشر.
ويرى العلماء أن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه السيناريوهات السينمائية، إذ لا تشير التوقعات المناخية إلى نهاية مفاجئة للعالم، وإنما إلى تزايد تدريجي في المخاطر والأضرار والضغوط على المجتمعات والأنظمة البيئية.

الكارثة ليست سؤال «هل» بل «متى»
على الرغم من قوة الظواهر الجوية المتطرفة التي يشهدها العالم حاليًا، فإن الأسوأ قد يأتي في المستقبل، وفق العلماء.
وتشير الفيزياء الأساسية إلى أن زيادة تركيزات غازات الدفيئة تؤدي إلى حبس مزيد من الحرارة في النظام المناخي، ما يغير أنماط الطقس ويؤثر في النظم البيئية.
وقد أُطلقت أكثر من نصف جميع غازات الدفيئة التي أنتجها البشر عبر التاريخ خلال الخمسين عامًا الماضية، ما يعكس السرعة الكبيرة التي تغير بها الغلاف الجوي خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
ولا يمكن تحديد موعد وقوع حدث مناخي كارثي بعينه، إذ قد يحدث خلال 50 عامًا أو 10 أعوام أو في وقت أقرب.
ويشير العلماء إلى أن بعض التوقعات المناخية السابقة لم تكن دقيقة دائمًا، لكن الصورة العامة خلال العقود الماضية تشير في حالات كثيرة إلى أن تأثيرات تغير المناخ ظهرت بسرعة أكبر مما كان متوقعًا.
ومن الأمثلة على ذلك تقييم مخاطر المناخ في المملكة المتحدة الصادر في يناير 2022، الذي قدّر احتمال تجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية قبل عام 2040 بنحو 0.02%.
لكن خلال صيف العام نفسه، تجاوزت درجات الحرارة في أجزاء من المملكة المتحدة حاجز 40 درجة مئوية.

نقاط التحول لم تعد سيناريو مستقبليًا
وصل العالم أيضًا إلى مرحلة أصبحت فيها «نقاط التحول» المناخية موضوعًا حاضرًا في النقاش العلمي، بدلًا من كونها احتمالات بعيدة.
وتشير نقطة التحول إلى تجاوز نظام مناخي أو بيئي عتبة معينة يصبح بعدها التعافي من التدهور أكثر صعوبة، وقد يكون في بعض الحالات غير ممكن.
وتُعد الشعاب المرجانية من أبرز الأمثلة.
ووفق الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية، تعرض نحو 84% من الشعاب المرجانية في العالم خلال الفترة من 2023 إلى 2025 لظاهرة طرد الطحالب المجهرية نتيجة الإجهاد الحراري، وهي ظاهرة يمكن أن تؤدي إلى موت الشعاب.
وحتى إذا انخفضت درجات الحرارة بصورة حادة، فإن قدرة العديد من الشعاب المرجانية على التعافي قد تكون محدودة.
الأمازون أمام خطر فقدان دوره المناخي
تواجه غابات الأمازون المطيرة أيضًا خطر الوصول إلى نقطة تحول، نظرًا إلى دورها الهائل في تخزين ثاني أكسيد الكربون والمساهمة في تنظيم المناخ العالمي.
وخلال العقود الماضية، تعرضت أجزاء واسعة من الغابات للتدهور نتيجة الجفاف المتكرر وحرائق الغابات وإزالة الغابات بهدف التوسع في تربية الماشية.
وأصبح النقاش العلمي لا يدور فقط حول إمكانية وصول الأمازون إلى نقطة تحول، وإنما حول توقيت تحول الغابة من مخزن صافٍ للكربون إلى مصدر صافٍ لثاني أكسيد الكربون.
«النينيو» يزيد المخاطر
تضيف ظاهرة النينيو، وهي دورة طبيعية دورية تؤدي إلى ارتفاع حرارة أجزاء من المحيط الهادئ وتؤثر في أنماط الطقس العالمية، عاملًا آخر إلى المشهد المناخي.
وتشير التوقعات الواردة في التقرير إلى أن ظاهرة النينيو الحالية قد تكون الأقوى على الإطلاق، وهو ما قد يدفع درجات الحرارة إلى مستويات أعلى، ويزيد احتمالات تحطيم الأرقام القياسية ووقوع أضرار واسعة في مناطق مختلفة من العالم.
وفي المحصلة، يبدو أن كوكب الأرض يسير على مسار مناخي شديد الخطورة، ليس لأن كارثة عالمية واحدة ستحدث بالضرورة في موعد محدد، وإنما لأن احتمالات وقوع أحداث متطرفة ومتزامنة أو متتابعة تتزايد مع كل زيادة إضافية في درجات الحرارة.
وقال تيم لينتون، أستاذ علوم المناخ في جامعة إكستر، إن العالم يحتاج إلى الحديث بصورة أكثر صراحة عن بعض أسوأ السيناريوهات التي يمكن أن تحدث، معتبرًا أنه من الطبيعي توقع وصول صدمات مناخية أكبر في المستقبل.
وتشير هذه التحذيرات إلى أن الاستعداد للمستقبل لا ينبغي أن يقوم على انتظار تحديد موعد الكارثة، بل على إدراك أن ارتفاع المخاطر أصبح واقعًا بالفعل، وأن الاستثمار في خفض الانبعاثات، وتعزيز البنية التحتية، وحماية النظم البيئية، والاستعداد للكوارث، أصبح ضرورة لتقليل حجم الصدمات التي قد يواجهها العالم في العقود المقبلة.





