عشاق القهوة قد يتمتعون بتركيب جسم مختلف.. دهون أقل وعضلات أكثر
مفاجأة في فنجان القهوة.. ارتباط بدهون أقل وعضلات أكثر ومؤشرات أيضية مختلفة
قد يكشف وزن الجسم جزءًا فقط من الصورة الصحية للإنسان، فمؤشر كتلة الجسم (BMI) يقيس الوزن بالنسبة إلى الطول، لكنه لا يوضح بالضرورة كمية الدهون أو العضلات في الجسم، ولا يكشف بعض الاختلافات المرتبطة بسكر الدم والهرمونات.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة فنلندية حديثة عن ارتباط بين تناول القهوة بانتظام وانخفاض دهون الجسم وارتفاع الكتلة العضلية، إلى جانب وجود اختلافات في بعض مؤشرات الدم والهرمونات لدى الرجال والنساء.
لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تثبت أن شرب القهوة هو السبب المباشر وراء انخفاض الدهون أو زيادة العضلات، وإنما تكشف عن علاقة إحصائية بين العادات الصحية ومجموعة من المؤشرات الأيضية.
ونُشرت الدراسة في دورية European Journal of Nutrition.

كيف قاست الدراسة استهلاك القهوة؟
اعتمد التحليل على بيانات 2264 شخصًا من المشاركين في مجموعة شمال فنلندا للمواليد عام 1966، وجميعهم خضعوا للتقييم عند بلوغهم 46 عامًا.
وشكل الرجال نحو 47% من المشاركين، بينما أفاد 2194 شخصًا بأنهم يشربون القهوة، في حين قال 70 مشاركًا إنهم لا يشربون القهوة أو الشاي.
وأبلغ المشاركون عن متوسط استهلاكهم اليومي من القهوة، وقُسموا إلى مجموعات تبدأ من عدم تناول القهوة وتصل إلى استهلاك 5 أكواب أو أكثر يوميًا.
وكانت القهوة المفلترة هي النوع الأكثر شيوعًا بين المشاركين، لكن الاستبيان لم يحدد حجم الكوب، كما لم يتضمن معلومات تفصيلية عن نوع حبوب القهوة أو درجة تحميصها أو إضافة الحليب والسكر أو طريقة تحضيرها.
وطُلب من المشاركين الصيام طوال الليل والامتناع عن تناول القهوة قبل زيارة العيادة.
وخلال التقييم، قاس الباحثون تركيب الجسم، وجمعوا عينات من الدم، كما تناول المشاركون مشروبًا يحتوي على الجلوكوز، ثم جرى قياس استجابة أجسامهم للسكر على مدى ساعتين.
دهون أقل وعضلات أكثر رغم تشابه مؤشر كتلة الجسم
كانت قيم مؤشر كتلة الجسم متقاربة بين مجموعات استهلاك القهوة، لكن تركيب الجسم اختلف بصورة ملحوظة.
فالأشخاص الذين تناولوا كميات أكبر من القهوة كانوا يميلون إلى امتلاك نسبة أقل من إجمالي دهون الجسم، وكمية أقل من الدهون الحشوية المحيطة بالأعضاء الداخلية، وكتلة أكبر من العضلات الهيكلية.
وتكتسب الدهون الحشوية أهمية خاصة لأنها ترتبط بالصحة الأيضية، أي بكيفية تعامل الجسم مع الطاقة وسكر الدم والدهون.
لكن الباحثين يحذرون من تفسير هذه النتائج على أنها دليل على أن القهوة تحرق الدهون أو تبني العضلات.
فقد استخدم الفريق تقنية المعاوقة الكهربائية الحيوية لتقدير كمية الدهون والعضلات، وهي طريقة غير مباشرة تعتمد على العلاقة بين كمية الماء في الجسم وقدرة الأنسجة على توصيل الكهرباء.
وبالتالي، فإن القياسات المقدرة بهذه الطريقة لا تمثل قياسًا مباشرًا لكمية الدهون أو العضلات.

تغيرات في كيمياء الدم
لم يقتصر البحث على قياس تركيب الجسم، إذ فحص الباحثون 164 جزيئًا صغيرًا ودهونًا مختلفة في عينات الدم أثناء الصيام.
وتعرف هذه المركبات باسم «المستقلبات»، وهي تعكس مجموعة من العمليات الكيميائية التي تحدث داخل الجسم، بما في ذلك معالجة الغذاء وتخزين الطاقة وبناء الأنسجة والعمليات الحيوية اليومية.
وفي كل من الرجال والنساء، ارتبط ارتفاع استهلاك القهوة بانخفاض مستويات ثلاثة أحماض أمينية متفرعة السلسلة، هي الليوسين والإيزوليوسين والفالين.
وتعد الأحماض الأمينية اللبنات الأساسية التي يتكون منها البروتين، بينما ارتبط ارتفاع مستويات هذه الأحماض الأمينية الثلاثة بصورة مزمنة بمقاومة الإنسولين، وهي الحالة التي لا تستجيب فيها الخلايا للإنسولين بصورة جيدة، ما يؤثر في قدرة الجسم على نقل السكر من الدم إلى الخلايا.
هل تعني هذه النتائج انخفاض خطر الإصابة بالسكري؟
يشير الباحثون إلى أن الارتباط بين استهلاك القهوة ومستويات الأحماض الأمينية كان محدودًا، حتى بعد إخضاع النتائج لاختبارات إحصائية تهدف إلى تقليل احتمالات ظهور نتائج عشوائية عند فحص عدد كبير من المؤشرات.
وقد تتوافق المستويات المنخفضة من هذه الأحماض الأمينية مع نمط أيضي أكثر صحة، لكن الدراسة لا تثبت أن القهوة خفضت مستوياتها أو قللت خطر الإصابة بالسكري.
كما لم تكن جميع النتائج في الاتجاه الإيجابي، فبين الرجال، ارتبط ارتفاع استهلاك القهوة أيضًا بزيادة مستويات بعض جزيئات البروتينات الدهنية التي تحمل الكوليسترول، إلى جانب انخفاض بعض مؤشرات دهون أوميجا-3.
وهذا يعني أن الصورة الأيضية التي ظهرت في الدراسة كانت أكثر تعقيدًا من مجرد «فوائد» صحية مباشرة للقهوة.
اختلافات في استجابة سكر الدم بين الرجال والنساء
أظهرت الدراسة أيضًا اختلافات مرتبطة بالجنس في بعض المؤشرات الأيضية، فالرجال الذين تناولوا كميات أكبر من القهوة كانوا يميلون إلى تسجيل مستويات أقل من الإنسولين أثناء الصيام، وكذلك مستويات أقل منه بعد تناول مشروب الجلوكوز.
وأشارت مؤشرات أخرى إلى وجود حساسية أكبر للإنسولين لدى الرجال الذين استهلكوا كميات أكبر من القهوة.
أما النساء، فظهرت لديهن روابط أقل وأضعف بين استهلاك القهوة وتنظيم الجلوكوز.
ولا تستطيع الدراسة تحديد سبب ظهور هذا الاختلاف بين الرجال والنساء، أو ما إذا كان تناول القهوة نفسه مسؤولًا عنه.
القهوة والهرمونات الجنسية
ظهرت اختلافات أكثر وضوحًا في بعض المؤشرات الهرمونية لدى الرجال، فقد ارتبط استهلاك القهوة بكميات أكبر بارتفاع مستويات التستوستيرون الكلي، والتستوستيرون المتاح حيويًا، والبروتين الرابط للهرمونات الجنسية (SHBG).
والتستوستيرون هو أحد الهرمونات الجنسية، بينما يعمل SHBG على حمل التستوستيرون في الدم.
أما التستوستيرون الكلي فيشير إلى إجمالي كمية الهرمون الموجودة في الدورة الدموية، في حين يمثل التستوستيرون المتاح حيويًا الجزء الأكثر قابلية للوصول إلى الأنسجة.
وفي المقابل، كان التستوستيرون الحر، وهو الجزء غير المرتبط ببروتينات النقل، ومؤشر الأندروجينات الحرة، وهو تقدير لمستويات الهرمونات الذكرية المتاحة، أقل بصورة محدودة لدى الرجال الذين تناولوا كميات أكبر من القهوة.

لماذا اختلفت النتائج الهرمونية بين الرجال والنساء؟
ظهرت لدى النساء صورة مختلفة نسبيًا، إذ ارتبط استهلاك القهوة بارتفاع مستويات SHBG وانخفاض بعض مؤشرات الهرمونات الذكرية الحرة.
واستبعد الباحثون النساء المصابات بمتلازمة تكيس المبايض من تحليل الهرمونات، لأن هذه الحالة يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في مستويات الأندروجينات.
وقال لوكا فيروست، الباحث الرئيسي وطالب الدكتوراه في جامعة أولو، إن القهوة يستهلكها ملايين الأشخاص يوميًا، ومع ذلك لا يزال العلماء يعرفون القليل نسبيًا عن علاقتها بعمليات التمثيل الغذائي والهرمونات.
وأشار إلى أن أحد أبرز ما ظهر في النتائج كان وجود «بصمة هرمونية» مميزة لم تختفِ حتى بعد أخذ مؤشر كتلة الجسم وعوامل مرتبطة بنمط الحياة في الاعتبار، مع اختلاف عدد من هذه الارتباطات بين الرجال والنساء.
الدراسة لا تثبت أن القهوة هي السبب
رغم النتائج اللافتة، فإن للدراسة حدودًا مهمة يجب أخذها في الاعتبار، فالبحث كان دراسة مقطعية، أي أن الباحثين قاسوا استهلاك القهوة والمؤشرات الصحية في المرحلة الزمنية نفسها.
وهذا النوع من الدراسات يستطيع الكشف عن الارتباطات، لكنه لا يستطيع تحديد ما إذا كان أحد العوامل قد تسبب بالفعل في الآخر.
وبالتالي، لا يمكن الجزم بأن القهوة هي التي أدت إلى انخفاض الدهون أو زيادة الكتلة العضلية أو تغير الهرمونات.
كما اعتمد الباحثون على تذكر المشاركين لكمية القهوة التي يتناولونها، وهو ما قد يؤدي إلى بعض الأخطاء في تقدير الاستهلاك، ويضاف إلى ذلك أن عدم وجود حجم موحد للكوب يجعل المقارنة بين كميات القهوة أقل دقة.
عوامل أخرى قد تفسر النتائج
قُيست مستويات الهرمونات مرة واحدة فقط، رغم أن بعض الهرمونات، مثل التستوستيرون، تتغير طبيعيًا خلال اليوم.
كما لم تتوافر معلومات تفصيلية كافية عن بعض العوامل التي يمكن أن تؤثر في عملية التمثيل الغذائي والهرمونات، مثل النظام الغذائي، ومستويات التوتر، وتوقيت الدورة الشهرية لدى النساء.
واختلفت مجموعات استهلاك القهوة أيضًا في بعض الخصائص، مثل الجنس ومستوى التعليم والتدخين.
ورغم أن الباحثين أخذوا في الاعتبار عوامل مثل التعليم والتدخين والنشاط البدني واستهلاك الكحول ومؤشر كتلة الجسم عند تحليل النتائج، فإن احتمال وجود عوامل أخرى غير مقاسة لا يزال قائمًا.
كما أن عدد الأشخاص الذين لا يتناولون القهوة كان صغيرًا نسبيًا، فضلًا عن أن طبيعة المجتمع الفنلندي المتقاربة نسبيًا قد تجعل تعميم النتائج على شعوب تختلف في أنماطها الغذائية وعادات استهلاك القهوة أمرًا يحتاج إلى الحذر.

هل يمكن استخدام القهوة لخسارة الدهون أو زيادة العضلات؟
لا تقدم الدراسة دليلًا يسمح باستخدام القهوة كوسيلة علاجية لتقليل الدهون أو زيادة الكتلة العضلية أو رفع مستويات التستوستيرون أو علاج مقاومة الإنسولين.
كما لا يمكن اعتبار النتائج توصية بتناول عدد معين من أكواب القهوة يوميًا.
فالقهوة تحتوي على الكافيين إلى جانب العديد من المركبات النشطة الأخرى، وتختلف تركيبتها باختلاف نوع الحبوب ودرجة التحميص وطريقة التحضير.
ولهذا يحتاج العلماء إلى تحديد المركبات التي قد تكون مسؤولة عن الارتباطات التي ظهرت في الدراسة، بدلًا من افتراض أن الكافيين وحده هو العامل المؤثر.
ماذا يحتاج العلماء إلى معرفته لاحقًا؟
يرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء دراسات تتابع الأشخاص على مدى فترات زمنية أطول، إلى جانب تجارب محكمة يمكن من خلالها اختبار تأثير القهوة بصورة مباشرة.
وقد تساعد هذه الدراسات في تحديد ما إذا كانت الاختلافات في الدهون والعضلات والهرمونات والتمثيل الغذائي تظهر بالفعل نتيجة استهلاك القهوة، أم أنها انعكاس لعادات أو عوامل صحية أخرى لدى الأشخاص الذين يشربون القهوة بانتظام.
القهوة وتركيب الجسم.. علاقة تحتاج إلى مزيد من البحث
تشير الدراسة الفنلندية إلى أن الأشخاص الذين اعتادوا تناول كميات أكبر من القهوة كانوا يميلون إلى امتلاك دهون أقل في الجسم، ودهون حشوية أقل، وكتلة عضلية هيكلية أكبر، رغم تشابه مؤشر كتلة الجسم بين مجموعات استهلاك القهوة.
كما ارتبط استهلاك القهوة بعدد من الاختلافات في مؤشرات الأيض والهرمونات، بعضها بدا أكثر وضوحًا لدى الرجال، لكن هذه النتائج تظل ارتباطات إحصائية وليست إثباتًا لعلاقة سببية.
وبالتالي، فإن الرسالة الأكثر دقة في الوقت الحالي هي أن تناول القهوة بانتظام ارتبط بتركيب جسم أكثر رشاقة وبعدد من المؤشرات الأيضية والهرمونية المختلفة، بينما لا يزال العلماء بحاجة إلى مزيد من الأبحاث لمعرفة ما إذا كانت القهوة نفسها وراء هذه الاختلافات.





