د.عاطف معتمد: 90 يوما يا آخر قلاع الأيديولوجيا !
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
الأيديولوجيا التي تحملها غزة غير مرغوبة إقليميا. فالإقليم السياسي المحيط بغزة يرفض أن تحقق حركات مقاومة إسلامية نصرا ينقل العدوى في المنطقة ويقلب الأوضاع رأسا على عقب.
أيديولوجيا غزة استعانت بالأغراب بعد أن فقدت الأمل في الأقارب والأهل. لكن الأهل من الدول العربية – المعادية لإيران والتابعة للولايات المتحدة – لا يرضون عن لجوء غزة إلى إيران وحزب الله، ومن خلفهما روسيا.
حسنا، دعنا نفترض أن السطور السابقة صحيحة، ما هي الأيديولوجيا التي يمكن زرعها في المنطقة لتحل محل الإسلامية والمقاومة؟
لقد انقرضت أيديولوجية القومية العربية. لم تنقرض فقط مع الحروب الأهلية الأخيرة في سوريا والعراق واليمن والسودان، بل انقرضت في عام 1967 حين انهار مشروع قومية عبد الناصر، في تلك الحرب كانت إسرائيل هي الأب الشرعي لقتل القومية العربية وكان نظام عبد الناصر الشمولي المتعجل الفوار غير الاحترافي هو الحاضنة لانهيار المشروع.
انقرضت القومية العربية مع التناقضات الراديكالية لصدام حسين في العراق التي خربت بلاده وفككت الهيكل الشكلي للنظام العربي، مع فخاخ نصبتها له الإمبريالية الأمريكية، مع سوء حظ عثر لأن صدام حسين قام بنزواته الهوجاء بغزو الكويت في وقت كان الاتحاد السوفيتي يتفكك ويتجرع فوضى تاريخية وجغرافية انكفأ فيها على نفسه.
انقرضت القومية العربية مع السلوك الكوميدي لمعمر القذافي رغم كل ما أنفقه من أموال ليبيا على بعض دول القارة الإفريقية في مسعاه الطوباوي لإقامة ولايات متحدة عربية إفريقية.
حسنا، أرجو منك مرة أخرى أن تفترض جدلا أن السطور السابقة صحيحة، ما هو المتاح لشعوب المنطقة بعد تفكك القومية ومحاربة الإسلامية وتشويه سمعتها الحضارية وحبسها في مجرد جماعات إرهابية؟
البدائل التي عرفتها دول العالم بعد التخلص من الأيديولوجيات بدائل عديدة ومشهورة في مقدمتها إقامة دولة المواطنة على الديموقراطية الحقيقية لا الشكلية، والدستور والمؤسسات، والعدل والقضاء، والتعليم الحقيقي لا الشكلي، والثقافة التي تنمي هوية الأفراد بمجتمعهم، والدور الاقتصادي للدولة وشعبها في العالم، والتبادل الحضاري، ورخاء الشعوب ورعاية أحوالهم الصحية والاجتماعية وتخفيف الفقر عنهم وتنمية حياتهم.
تحقيق الأهداف الأخيرة صعب، ويعوزه عمل شاق، ومسارات طويلة الأمد. وبالتالي فإن المخاطر التي تحيط بشعوب المنطقة العربية الإسلامية تزداد عنفا وتتمثل في:
– عزلة المواطن العربي عن الرباط العضوي الذي كان يتمسك به في علاقته بالأشقاء في الإقليم، من خلال إحباطه وإفزاعه وتخويفه وغسل أدمغته بأنه عاجز عن فعل أي شيء، حتى ان البعض منا يندفع إلى تعاطي أية مخدرات مؤقتة من الانكفاء على ما هو شخصي وذاتي وعائلي ومحلي واستهلاكي وترفيهي وساخر.
– تسريب رواية مفزعة تقول إن حركات المقاومة في غزة كانت ورقة في يد القوى الإقليمية للقضاء على آخر قلعة حرية أمام إسرائيل، استغلها الأصدقاء أو غرر بها الأعداء.
– تعزيز قوة إسرائيل في المنطقة وتكريس الدعم الغربي لها.
وإعادة المشروع الإسرائيلي إلى هدفه الأول بان يكون هو “السيد” في الإقليم.
والسيادة هنا وجهان لعملة واحدة فهي علمانية تنطلق من العلم والتقدم والاقتصاد لتكون دولة استعمارية اقتصادية كبرى في عالم ما بعد الاستعمار تمتد من العراق إلى قناة السويس، ومن شمال السعودية إلى تخوم دمشق وبيروت، وهي سيادة دينية تستند إلى أسطورة من الكتب المقدسة تقول إنهم شعب الله المختار وأن دولتهم التي وعدها الرب تمتد خريطتها من الفرات إلى النيل.
هذه هي الصورة التي أراها ، وهي لا تعني أن الكلمة الأخيرة كتبت في الإقليم، بل هذا الإقليم دائم التغير وسيحقق أمله في الحرية والاستقلال والديموقراطية من دون شك، لكن بعد مخاض عسر، طويل الأمد، شاق وعر، ولابد أن نقتنع أننا وإن كنا نحاول المساهمة فيه فليس بالضرورة أن نراه يتحقق أمام أعيننا …بل لعل الأحفاد يعيشون زمانه ويجنون ثماره !
نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك





