د.عاطف معتمد: دولة سنية في سوريا…شيعية في العراق؟!
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
ظهرت هذه العبارة المدهشة قبل 20 سنة، بدأت بتسريبات من أجهزة الاستخبارات الغربية وانتهت إلى مقالات للصحفيين العرب في دول الخليج التي لها اتصال بتلك الأجهزة.
تحمل العبارة عددا من الصعقات الكهربائية في الجغرافيا السياسية في مقدمتها:
– أن القوى الأجنبية هي التي قررت تحويل العراق بعد صدام حسين من دولة يحكمها نظام يزعم أنه عربي سني إلى دولة ذات نظام يتحكم الشيعة في معظم مقاليد أموره. وقد عززت بيانات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية هذه الأطروحة بعد أن غيرت نسبة الشيعة في العراق على موقعها على الإنترنت من 25 % إلى 55 %…هكذا بجرة قلم في تعديل فوري للإحصاءات التي تضمها الموسوعة التي تتيحها على الإنترنت تحت عنوان CIA factbook
1. أن القوى الأجنبية هي التي قررت أن يتم تحويل سوريا من دولة يحكمها نظام ينتمي إلى الطائفة العلوية ويزعم أنه علماني متسامح أمام كل الطوائف إلى دولة تحكمها الجماعات السنية. ولم يكن هذا بالطبع حبا في السنة ولا أهلها، بل لوضع حد توازني أمام دولة شيعية في العراق.
2. فيما يبدو – ظاهريا – وكأن اللعبة قد أفلتت من أيدي القوى الغربية توغلت إيران في العراق أكبر مما ينبغي، وبلغت عمق سوريا، ودعمت موقفها في جنوب لبنان مع حزب الله.
وتم السماح لهذا التوغل أن يبلغ مداه حتى تتمكن الدول الغربية من تخويف دول الخليج بشكل مرعب من الخطر الإيراني، وتستمر في الابتزاز إلى آخر مدى.
3. بعد أن أدى التخويف الإيراني دوره، جاء دور إسرائيل لتجهز بصمت عربي على قطاع غزة، أوقعت حماس نفسها في فخ اللعبة الكبرى، وقامت إسرائيل – كما وعدت – بمحو القطاع من الخريطة (وكان وعدها معرفة بالخطة لا نبوءة ولا ثقة في نفسها)، وأصبح الطريق سهلا على تصفية حزب الله وضرب نفوذ إيران وطردها من سوريا.
4. استدرج حلف الناتو روسيا بوتين في مستنقع أوكرانيا الذي قلت عنه بالحرف الواحد قبل ثلاث سنوات – في مقابلة مع بي بي سي – إن هذه حرب هدفها استدراج روسيا والإيقاع بها وتحييد قوتها. وحين استنجدت روسيا العظمى الشهر الماضي بقوات من كوريا الشمالية لتساعدها بجنود في الحرب في أوكرانيا بات مؤكدا أن روسيا ليس لديها أي فائض ولو جندي واحد يمكن أن تفقده في سوريا.
5. ما تزال تركيا لم تفقد الأمل في السيطرة على المشرق العربي كما كانت لها الكلمة قبل قرون، وتسعى لاستعادة دورها كلاعب وحيد مهيمن في المنطقة، يطرد روسيا ويوقف القوى الغربية عن التوغل في هذه البلاد، لكنها انتهت إلى الاقتناع فقط بطرد روسيا من الإقليم والتعاون مع الغرب وحلف الناتو بما يضمن مصالحها في الإقليم.
إن العبارة الاستبخاراتية التي ظهرت قبل 20 سنة والتي تقول “دولة سنية في سوريا وشيعية في العراق” تعيد طرح نفسها اليوم وتحمل معها مزيدا من الصدمات في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك في هذا الإقليم المصاب بتشتت أهله وتفرقهم، في مقابل وحدة كلمة عدوهم وخططهم التي تقوم على البحث العلمي، والتعليم والتنظيم، والتراكم المعرفي، والقوى الخشنة والناعمة، وتداول السلطة، وتنوع الأحزاب، وحرية الفرد، والكشوف الجغرافية، ومراكز الأبحاث التي تتألف من حشد من العلماء لا ثلة من الموظفين.
نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك





