أخبارالاقتصاد الأخضرالطاقة

طفرة مراكز البيانات تشعل جدل العدالة البيئية مع عودة عمل محطات الكهرباء الملوثة

مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تعيد محطات الكهرباء الأكثر تلويثًا إلى الخدمة في الولايات المتحدة

لم يعد التوسع المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي مجرد قصة ابتكار رقمي، بل تحول إلى عامل ضغط غير مسبوق على شبكات الكهرباء، أعاد إلى الواجهة محطات طاقة قديمة كانت على وشك الخروج من الخدمة، رغم سجلها البيئي المثير للجدل. ففي الولايات المتحدة، أدى الطلب الهائل على الكهرباء من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تشغيل ما يُعرف بمحطات «الذروة» الكهربائية، وهي من أكثر وحدات التوليد تلويثًا للبيئة.

في حي بيلسن العمالي بمدينة شيكاغو، ترتفع محطة «فيسك» الكهربائية التي تعمل بالنفط، ويعود تاريخ إنشائها إلى ستينيات القرن الماضي، خلف حديقة عامة مكتظة بالأطفال والعائلات. هذه المحطة، المملوكة لشركة NRG Energy، كانت مقررة للتقاعد نهائيًا في عام 2026، بعد سنوات من الاعتراضات المجتمعية بسبب آثارها الصحية والبيئية. غير أن الطفرة المفاجئة في الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي غيّرت الحسابات.

منطقة مراكز بيانات شركة مايكروسوفت

طلب غير مسبوق يعيد الحسابات الاقتصادية

قفزت أسعار الكهرباء في سوق PJM Interconnection، وهو أكبر سوق كهرباء في الولايات المتحدة ويغطي 13 ولاية، بعدما تجاوزت طلبات مراكز البيانات قدرات التوليد المتاحة. هذا الارتفاع الحاد في الأسعار جعل تشغيل محطات الذروة القديمة مجددًا خيارًا اقتصاديًا مربحًا، بعدما كانت غير مجدية ماليًا في السابق.

وتشير بيانات وتحليلات لوكالة رويترز إلى أن نحو 60% من محطات النفط والغاز والفحم التي كان من المقرر إغلاقها في نطاق PJM خلال عام 2025 جرى تأجيل أو إلغاء خطط تقاعدها، ومعظم هذه المحطات تعمل كنقاط ذروة، أي يتم تشغيلها فقط في فترات الضغط القصوى على الشبكة.

ما هي محطات الذروة ولماذا تُعد أكثر خطورة؟

محطات طاقة شمسية لتغذية مراكز بيانات وتعدين

محطات الذروة صُممت للعمل السريع وليس الكفء، بهدف منع انقطاع الكهرباء في أوقات الذروة مثل موجات الحر أو البرد القارس. لكنها، مقارنة بمحطات التوليد التقليدية، تُنتج كهرباء أعلى تكلفة وأكثر تلويثًا، وغالبًا ما تفتقر إلى تقنيات متقدمة للحد من الانبعاثات، مثل أنظمة تنقية الزئبق أو فلاتر الجسيمات الدقيقة.

وتشير دراسات أكاديمية وتقارير حكومية إلى أن محطات الذروة التي تعمل بالغاز الطبيعي تُصدر في المتوسط كميات من ثاني أكسيد الكبريت أعلى بنحو 1.6 مرة لكل وحدة كهرباء مقارنة بالمحطات غير الذروية، فضلًا عن انبعاثات أخرى تؤثر مباشرة على جودة الهواء.

مركز بيانات في ويست دي موين، آيوا Microsoft مراكز البيانات لتشغيل خدمات الحوسبة السحابية الخاصة بشركة

العبء البيئي يقع على المجتمعات الهشة

المشكلة لا تتوقف عند الجانب التقني أو الاقتصادي، بل تمتد إلى العدالة البيئية. فحوالي ألف محطة ذروة في الولايات المتحدة تقع بشكل غير متناسب في أحياء منخفضة الدخل أو مجتمعات ذات أغلبية من الأقليات العرقية، وفقًا لأبحاث أكاديمية وبيانات فيدرالية.

عمال مناجم الفحم أثناء توقيع الرئيس دونالد ترامب على أوامر تنفيذية بشأن صناعة الفحم

دراسة أُجريت عام 2022 حول الأحياء التي خضعت سابقًا لسياسات «الخطوط الحمراء» التمييزية، أظهرت أن سكان هذه المناطق كانوا أكثر عرضة بنسبة 53% لبناء محطات ذروة بالقرب منهم منذ عام 2000 مقارنة بغيرها من المناطق. ومع عودة هذه المحطات للعمل بوتيرة أعلى، يتزايد القلق من تفاقم أعباء التلوث الصحي في مجتمعات تعاني بالفعل من تلوث مروري وصناعي مزمن.

الذكاء الاصطناعي يغير خريطة الطاقة

يأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة تراجعًا نسبيًا في الطلب على الكهرباء خلال العقد الماضي، بفضل تحسن كفاءة الأجهزة والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة. إلا أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي تحتاج إلى طاقة ثابتة وكبيرة على مدار الساعة، قلبت هذا الاتجاه رأسًا على عقب.

ويحذر خبراء الطاقة من أن الاعتماد المتزايد على محطات الذروة يمثل حلًا قصير الأجل، لكنه قد يقوض أهداف خفض الانبعاثات، ويؤخر ربط مشروعات الطاقة المتجددة الجديدة بالشبكة بسبب محدودية السعات المتاحة.

الصراع الأمريكي الصيني على مصادر المعادن الثمينة
من يمتلك تكنولوجيا معالجة هذه العناصر، يمتلك القدرة على فرض “فيتو” استراتيجي على مستقبل الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي.

بدائل ممكنة لكنها مؤجلة

يرى مختصون أن هناك بدائل أكثر استدامة، مثل الاستثمار في شبكات نقل كهرباء أقوى لنقل الفائض من مناطق الإنتاج المتجدد إلى مناطق العجز، إضافة إلى التوسع في أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات التي تشهد تطورًا سريعًا. غير أن هذه الحلول تحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة، في حين يفرض الطلب المتسارع للذكاء الاصطناعي حلولًا فورية.

مخاطر الحروب المدعومة بالذكاء الاصطناعي
من يدفع الثمن البيئي الحقيقي لهذا المستقبل؟

مفترق طرق للطاقة والعدالة

في الوقت الذي تؤكد فيه شركات الطاقة أن محطات الذروة تمثل «خط الدفاع الأخير» ضد انقطاع الكهرباء، يرى نشطاء البيئة أن إعادة تشغيل هذه الوحدات تعني تحميل المجتمعات الهشة تكلفة التحول الرقمي العالمي. ومع توسع أسواق مراكز البيانات في مناطق مثل شمال ولاية إلينوي، يبدو أن الصراع بين أمن الطاقة والعدالة البيئية سيزداد حدة.

وبينما تتسابق شركات التكنولوجيا لبناء مستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي، يظل السؤال مطروحًا: من يدفع الثمن البيئي الحقيقي لهذا المستقبل، وهل يمكن تحقيق التحول الرقمي دون العودة إلى أكثر مصادر الطاقة تلويثًا؟

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading