د.سالي فودة: تدوير المخلفات بوابة جديدة لأسواق الكربون والتمويل المناخي
أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية
تشير المناقشات التحضيرية التي شهدها اجتماع بون (SB64) استعدادًا لمؤتمر الأطراف للمناخ COP31 إلى تحول نوعي في مسار العمل المناخي العالمي، حيث لم تعد التعهدات السياسية وحدها كافية، بل أصبح التركيز منصبًا على تنفيذ مشروعات عملية قابلة للقياس والإبلاغ والتحقق، بما يضمن خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ويفتح الباب أمام جذب التمويل المناخي عبر أسواق الكربون الدولية.
وفي هذا الإطار، تبرز تكنولوجيا تدوير المخلفات باعتبارها أحد أهم الحلول المبتكرة التي تجمع بين حماية البيئة وتعزيز النمو الاقتصادي، من خلال تحويل المخلفات الزراعية والحيوانية والصناعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة، مثل البيوشار، والطاقة الحيوية، والكربون النشط، والأسمدة العضوية، باستخدام تقنيات متطورة أبرزها التحلل الحراري.
وتسهم هذه التقنيات في تحقيق الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة، إذ تؤدي بيئيًا إلى خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والحد من ظاهرة الحرق المكشوف للمخلفات، وتحسين خصوبة التربة، وتعزيز تخزين الكربون على المدى الطويل من خلال استخدام البيوشار.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تمثل هذه المشروعات فرصة واعدة لإنشاء صناعات خضراء جديدة، وجذب الاستثمارات والتمويل المناخي، والاستفادة من أسواق الكربون وفقًا لآليات المادة السادسة من اتفاق باريس، بما يدعم التحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات وأكثر استدامة.
أما اجتماعيًا، فتسهم تكنولوجيا تدوير المخلفات في توفير فرص عمل خضراء، ودعم المجتمعات الريفية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحسين جودة الحياة، من خلال الاستفادة المثلى من الموارد وتقليل الآثار البيئية للمخلفات.
ويؤكد الخبراء أن دمج تقنيات تدوير المخلفات مع منظومة القياس والإبلاغ والتحقق (MRV) يمنح المشروعات القدرة على إنتاج أرصدة كربونية موثوقة، تتوافق مع متطلبات الشفافية والنزاهة البيئية التي أكدت عليها مناقشات اجتماع بون، وهو ما يفتح فرصًا واسعة أمام الدول النامية للمشاركة بفاعلية في أسواق الكربون العالمية، والاستفادة من التمويل المناخي لدعم مشروعات التنمية المستدامة.
وتعكس هذه التطورات تحولًا في النظرة إلى المخلفات، التي لم تعد تمثل عبئًا بيئيًا يجب التخلص منه، بل أصبحت موردًا اقتصاديًا استراتيجيًا يمكن توظيفه لإنتاج الطاقة والمواد ذات القيمة العالية، وتحقيق الحياد الكربوني، وتعزيز الاقتصاد الدائري، وجذب الاستثمارات الخضراء، وتسريع تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، بما يتماشى مع رؤية مصر 2030 وجهود مواجهة تغير المناخ.





