زيت الزيتون في دول البحر المتوسط يتعرض للتهديد بسبب نقص المياه وتراجع النشاط الشمسي.. مصر تواجه تحديات
شجرة الزيتون التي اعتادت أن تقاوم الزمن والجفاف قد لا تتمكن من الصمود في وجه المستقبل القريب إذا لم نتحرك بسرعة
زيت الزيتون ليس مجرد محصول، لكنه تراث ثقافي، وأيقونة غذائية، ودعامة اقتصادية لنحو 6.7 ملايين عائلة في منطقة البحر المتوسط، وفقا للمجلس الدولي للزيتون. ومع تراجع الإنتاج، تتأثر سلاسل القيمة بأكملها، من المزارع إلى المعصرة، ومن المتجر إلى موائد المستهلكين.
يواجه إنتاج زيت الزيتون، وهو حجر الزاوية في النظام الغذائي المتوسطي، تهديدات جسيمة من الجفاف المتكرر والانخفاض المتوقع في النشاط الشمسي الدوري، تُلقي هذه التحديات المتصاعدة بظلال من الشك على الاستدامة طويلة الأجل لمناطق زراعة الزيتون.
اعتمد الباحثون في الدراسة التي نشرت في مجلة “كوميونيكشنز إيرث & إنفيرونمنت” على 8000 عام من بيانات حبوب لقاح الزيتون – المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالإزهار والتسميد وإنتاج الثمار – لتحديد العوامل الرئيسية طويلة الأجل التي تؤثر على غلة الزيتون.

تشير النتائج إلى أن إنتاج حبوب اللقاح، وبالتالي الغلة، مدفوع بشكل أساسي بعملية التمثيل الضوئي، والتي لا تتأثر فقط بدرجة الحرارة ومستويات ثاني أكسيد الكربون، ولكن أيضًا بهطول الأمطار خلال المراحل الفينولوجية للزيتون والتغيرات في توازن الإشعاع، بدلاً من التغيرات في الطاقة الشمسية وحدها.
تبرز التغيرات في نشاط التمثيل الضوئي كعامل حاسم في مستقبل اقتصاد زيت الزيتون في منطقة البحر الأبيض المتوسط ولها آثار كبيرة على الأمن الغذائي في المنطقة.

شجرة الزيتون قد لا تتمكن من الصمود
شملت الدراسة دولا متوسطية مثل فلسطين المحتلة ولبنان وسوريا وتركيا وقرص، وإيطاليا، وإسبانيا،حيث كشفت التحليلات أن شجرة الزيتون التي اعتادت أن تقاوم الزمن والجفاف، قد لا تتمكن من الصمود في وجه المستقبل القريب إذا لم نتحرك بسرعة
في عام 2019، تم إنتاج 3.314 مليون طن من زيت الزيتون في جميع أنحاء العالم، 98٪ منها مشتق من منطقة البحر الأبيض المتوسط.
على الصعيد العالمي، يتم إنتاج الزيتون من قبل 41 دولة، تمثل 10.58 مليون هكتار والتي تعتمد عليها حاليًا أكثر من 6.7 مليون أسرة في معيشتها.
وتتجلى الأهمية الاقتصادية لزيت الزيتون في الزيادات الكبيرة في الاستهلاك العالمي (نمو بنسبة 94٪ بين عامي 1990 و2019، ويبلغ حاليًا 3.234 مليون طن) ونمو الصادرات (5794 مليون دولار في عام 2019).

مصر تواجه تحديات مناخية حقيقية
لا يقتصر خطر انخفاض إنتاج الزيتون على الدول المتوسطية الكبرى مثل إسبانيا وإيطاليا، بل يمتد إلى الدول التي بدأت مؤخرا في توسيع رقعة زراعتها للزيتون، مثل مصر.
ورغم أن مصر ليست ضمن أكبر المنتجين عالميا، فإنها تراهن على التوسع في زراعة الزيتون ضمن خطط الاستصلاح الزراعي في الصحراء الغربية وشبه جزيرة سيناء، لكن هذه الطموحات تواجه تحديات مناخية حقيقية، إذ إن الكثير من مزارع الزيتون الجديدة في مصر تقع في أراض هامشية، حيث المياه شحيحة، ونوعية التربة محدودة. إذا أصبح المناخ أكثر جفافا وانخفضت أشعة الشمس، فإن الإنتاج سيتأثر بشدة، وفقا لباحثين.

إنتاج زيت الزيتون في مواجهة تغير المناخ الحالي
يتأثر إنتاج زيت الزيتون بشكل متزايد بتغير المناخ الحالي، تسببت فصول الشتاء الدافئة المتكررة، والتي تؤخر استيفاء متطلبات التبريد، أو تتلف أنسجة البراعم الزهرية، أو تقلل أو تمنع الإزهار تمامًا، إلى جانب موجات الحر القوية (التي تحرق الأسدية) وقلة هطول الأمطار، في انخفاض حاد في غلة البحر الأبيض المتوسط.
وقد تأثرت إسبانيا، أكبر منتج في العالم، بشكل خاص ، وقد تفاقم هذا الوضع خلال موسمي الحصاد 2022-2023 و2023-2024 .
وأثرت الظروف الجوية غير المواتية في أوروبا الغربية بشكل كبير على الإنتاج، واضطرت بعض المناطق إلى التعامل مع مخاطر مناخية استثنائية أثرت على الإزهار والغلال، تتأثر مناطق زراعة الزيتون الرئيسية في جنوب أوروبا (أي إسبانيا وإيطاليا والبرتغال واليونان) بشكل متزايد بتغير المناخ، مع انخفاض ملحوظ في الغلات منذ 2012-2013 .

انتقل مركز ثقل إنتاج زيت الزيتون نحو شرق البحر الأبيض المتوسط خلال موسم الحصاد 2022-2023، ولكن منذ عام 2023، تسببت ضغوط المناخ في العديد من البلدان، وخاصة في تركيا وبلاد الشام، في انخفاض حاد في الإنتاج.
وفي موسم الحصاد 2023-2024، شهدت هذه المنطقة انخفاضًا متوسطًا بنسبة 44 ± 18% في إنتاج زيت الزيتون مقارنة بالعام السابق.

3 ركائز رئيسية تعتمد عليها أشجار الزيتون في إنتاجيتها
حددت الدراسة 3 ركائز رئيسية تعتمد عليها أشجار الزيتون في إنتاجيتها: التمثيل الضوئي، وتوفر المياه، والإشعاع الشمسي. ومع تطور نماذج المناخ الحديثة، أصبح من المرجح أن يتأثر كل من هذه العوامل سلبا خلال العقود المقبلة، خاصة في مناطق البحر المتوسط الجافة وشبه الجافة مثل إسبانيا، اليونان، تونس، ومصر.
حيث اعتمد فريق دولي من الباحثين على تحليل سجلات حبوب اللقاح الأحفورية لأشجار الزيتون، الممتدة على مدار 8 آلاف عام. من خلال هذا السجل النباتي الطبيعي، تمكن العلماء من تتبع إنتاجية الزيتون عبر العصور وربطها بالعوامل البيئية طويلة الأمد.

يقول المؤلف المشارك في الدراسة “ديفيد كانيويسكي” – الأستاذ المشارك في قسم الأحياء وعلوم الأرض، جامعة تولوز في فرنسا: ما نعرضه هنا هو دليل على وجود دورات مناخية طويلة -تشمل النشاط الشمسي- أثّرت في إنتاج الزيتون لآلاف السنين، وهذه الدورات مهددة الآن بالخروج عن نظامها المعتاد”.
يشير الباحث إلى أن النتائج كانت واضحة: فترات الانخفاض في النشاط الشمسي تزامنت مع تقلص كبير في كمية حبوب اللقاح، وهو ما يعد مؤشرا مباشرا على ضعف الإزهار، وبالتالي تدني إنتاج الثمار،

أصبحت هذه الأنماط التاريخية أساسا لفهم تأثير التغيرات المناخية الحديثة، وللتنبؤ بما قد يحدث في المستقبل القريب.
عوامل مؤثرة على إنتاج الزيتون
تُبرز هذه البيانات أهمية الظروف الجوية السنوية والموسمية وديناميكيات المناخ طويلة الأمد كعوامل مؤثرة على إنتاج الزيتون، وإنتاج زيت الزيتون، والاقتصاد المرتبط به. لطالما كان المناخ أحد أهم الضغوط على إنتاج الزيتون، إلى جانب تأثير مسببات الأمراض .
من بين عوامل المناخ، يبرز هطول الأمطار كعامل محدد رئيسي، حيث يعتمد إنتاج الزيتون بشكل كبير على توافر المياه. تعمل الأمطار الشتوية على تجديد رطوبة التربة، وقد أبرزت الدراسات السابقة أن الانخفاض المتوقع في كمية الأمطار في جميع أنحاء مناطق البحر الأبيض المتوسط سيزيد من تكثيف الإجهاد المائي، مما يؤثر على العديد من الأنواع، بما في ذلك الزيتون.
العامل الثاني الذي يؤثر على عملية التمثيل الضوئي، إلى جانب الإجهاد المائي، هو النشاط الشمسي/شدة الضوء . تعتمد إنتاجية النبات بشكل مباشر على القدرة الضوئية للأوراق، قد أظهرت الدراسات، التي تأخذ في الاعتبار التعويض بين عدد وحجم الثمار، أن وزن الثمار الجافة وتركيز الزيت (وبالتالي الإنتاج) ينخفضان عندما ينخفض الإشعاع النشط الضوئي اليومي.
أخيرًا، تؤثر عوامل أخرى، مثل درجة الحرارة وتركيز ثاني أكسيد الكربون ، بشدة على النشاط الضوئي خلال المراحل الفينولوجية للزيتون، وقد أظهرت الأبحاث السابقة أنه على نطاق الألفية، يُعد نطاق درجة الحرارة عاملاً رئيسيًا يؤثر على الغلة.

تساؤلات حول استدامة موارد الغذاء في منطقة البحر الأبيض المتوسط
وأوضح الباحثون، أنه في ظل التحول الغذائي والاعتراف بالفوائد الصحية للنظام الغذائي المتوسطي، يُثير تغير المناخ المستمر تساؤلات حول استدامة موارد الغذاء في منطقة البحر الأبيض المتوسط على المديين المتوسطي والطويل، وخاصةً حصاد الزيتون وإنتاج زيت الزيتون.
وطرح المشاركون في الدراسة تساؤلا ، هل سيصبح انخفاض النشاط الشمسي وتفاقم الإجهاد المائي عاملين حاسمين في تشكيل مستقبل إنتاج زيتون المائدة وزيت الزيتون؟





