وجهات نظر

د.معتز محمد أبو زيد: العدالة المناخية (المسئولية التاريخية)

قاض – محاضر مواد القانون العام "خبير تشريعات حقوق الانسان "

يهتم العالم حاليا بشكل واضح وملحوظ بالحفاظ على البيئة و ما يتفرع عن ذلك من مواجهة حالات التغير المناخي وما يصاحب ذلك من متابعة الانبعاثات الكربونية وما صاحبه من ارتفاع في درجة حرارة الأرض.

وكذلك استخدامات أنواع الوقود والتوعية باستخدام الطاقة المتجددة و ما قد يؤثر على اقتصاديات الدول الكبرى والاقتصاديات الدول النامية وكذلك ما يرتبط في ذلك بحقوق الأجيال القادمة في بيئة صالحة لحياة الانسان.

وعلى الرغم من تزاحم هذه الأفكار والاعتبارات التي تؤدي الى تحسين سبل مواجهة حالات التغير المناخي ودعم التعاون الدولي بين الجهات الرسمية وغير الرسمية وأصحاب المصلحة بشأن التحرك في كل المجالات السابقة .

إلا أن أحد الأفكار الهامة و المؤثرة احتلت مكانا رئيسا في هذه العنواوين وهي مبدأ العدالة المناخية والذي يمكن تعريفه على أنه مصطلح جديد لقضية قديمة وأحد الجوانب الهامة التي يمكن من خلالها تحقيق أفضل سبل المواجهة لمشكلات التغير المناخي .

تقوم فكرة العدالة المناخية على تقارب وجهات النظر بين دول العالم على الأسباب التاريخية والثقافية والأخلاقية والاقتصادية التي تسببت في ظهور مشكلاة التغير المناخي، وكيفية تنظيم وتفعيل ذلك قانونا وتفعيل مبادئ حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي وحقوق الدول والأفراد بشأن قضايا العدالة المناخية، فضلا عن تحديد دور ومشاركة دول العالم في تحمل مسئولية مواجهة أخطار وتبعات التغير المناخي وأخطار الانبعاثات الضارة .

ولم يكن من السهل تعريف أو وضع ضوابط لتعريف فكرة العدال المناخية لارتباطها بعدة جوانب منها ما هو دولي ومنها ما هو محلي و منها ما هو مؤسسي و منها ما هو فردي و منها ما هو قانوني و منها ما هو لائحي أو تنظيمي، إلا أن أول العناصر التي تؤسس لفكرة العدالة المناخية هي طرح المسئولية التاريخية.

والتي يتبادر الى الأذهان في بداية النظر في المسئولية التاريخية وهو تحميل دول الاقتصاديات الكبرى مسئولية ما وصلوا اليه من تقدم اقتصادي على حساب دول أخرى ازدادت فقرا وازدادت تضررا مما أحدثته الدول المتقدمة من تأثير في المنظومة البيئية أدت الى حالات التغير المناخي التي أضرت بكوكب الأرض ككل .

ويضاف الى ما تقدم مظهر آخر أشد قسوة و هو ما عانى منه العالم من حالات الحروب و الاحتلال و التي عانت منه دول ضعيفة او صغيرة، فأصبح اما مصدرا لتنمية ثروات دول متقدمة وقوية اقتصاديا و عسكريا أو أن تكون مقبرة لنفاياتها وانبعاثاتها ولم تأخذ حقها في المشاركة في أي تقدم اقتصادي أو عسكري بل و حتى قدر من الحماية البيئية لهذه الدول .

وبقدر ما تمتعت به الفكرة السابقة من قبول منطقي واتساق مع التطور التاريخي لدور الدول المتقدمة في احتلال الدول الأقل قدرة عسكرية و قوة اقتصادية، إلا أنه مع التوسع في البحث في فكرة المسئولية التاريخية، قد يظهر أن هناك عوامل أخرى لا يمكن انكارها مثل حالات الزيادة السكانية والتي ربما تكون قد تواجدت في العديد من الدول التي لا تعتبر من القوى الاقتصادية أو الدول المتقدمة .

ولكن ما يستخدمه هذا العدد من الأفراد من كميات الوقود الاحفوري، و كذلك ما يصدر عن هذه الشعوب من نفايات ينشئ لهذه الدول مشاركة واضحة في مشكلات التغير المناخي، وإن مقتضيات العدالة المناخية ولو على المستوى التاريخي لا يمكن اغفالها لهذه العوامل .

وظهرت كذلك بعض مشكلات الاخرى وربما لا تكون سببا مباشرا في تفسير البعض مثل الممارسات السابقة للدول المتقدمة في المجالات الصناعية منذ عصر الثورة الصناعية، إلا أن هناك بعض الدول الأخرى قد أفسحت مجالا لذلك التغير المناخي دون التسبب في الاتبعاثات الضارة بزيادة الانتاج الصناعي أو زيادة عدد السكان .

ولكن عن طريق ازالة الأقاليم النباتية الطبيعية و الغابات لاستخدامات بشرية أخرى، مما أدى لاختلال التوازن الحيوي في البيئة لفقد العنصر الأخضر المقابل لانتشار الانبعاثات الكربونية وأحداث هذا التغيير البيئي ولو بطريقة غير مباشرة .

إن ما يتم عرضه على النحو المتقدم لا يعنبر تبرئة للدول التي شاركت تاريخيا في إحداث هذه الأزمات البيئية والمناخية ولكنه طرح أشمل لفكرة العدالة المناخية و التي ربما اذا ظهرت بشكل أوضح ربما تشجع على المشاركة من جميع الدول على نحو من الرضا والقبول بدلا من تراشق الاتهامات و تعطيل تنفيذ أفكار هذه العدالة و اثارة الحجج بعدم القدرة المالية أو الاقتصادية أو عدم الارتباط أو التسبب في احداث هذه التغييرات المناخية أو البيئية.

ومن ناحية أخرى فان اتساع فكرة العدالة المناخية لتشمل جميع ما قامت به الدول على مر القرنين السابقين ودور كل دولة وما قامت به سواء في المشاركة بأنشطة معينة أو التراجع عن واجب معين أو الخضوع لسيطرة دولة أخرى ربما يخلق نوعا من وزيع الأدول في هذه المسئولية التاريخية لتحديد قدر وتوقيت مشاركة كل دولة وما قامت به و يعد سببا لاحداث ذلك التغير المناخي.

إلا أنه كذلك لا يمكن إغفال ما يمكن الانتهاء إليه من وسيلة تحقق هذه المسئولية، وما ينتج عنها من التزامات، إذ أنه لم يتضح حتى الآن من يمكن توجيه الاتهامات وتحديد المسئوليات وعلى الأساس الزمني أو على الأساس الكمي بل و اكثر من ذلك اذا ارتض الدول و أقرت بمسئوليتها التاريخية فانه لا زال الأمر غير متصور حتى الآن بالنسبة لكيفية أداء الالتزامات الناشئة عن هذه المسئولية و التي لا يمكن أن تكون جميعها مادية أو اقتصادية اذ أن ذلك قد يعتبر عبئا على بعض الدول بما لا تستطيع معه المشاركة في تحمل تبعات هذه المسئولية .

إن تحديد المسئولية التاريخية لفكرة العدالة المناخية و قبول الدول بها أخلاقيا أو سياسيا لابد وأن يأتي عن طريق تحرك معين يسوده التعاون و المشاركة الفعالة بين الدول و ما يترتب على ذلك آثار والتزامات تتحملها الدول طواعية و اختيارا و لتحقيق الانصاف والمساواة و الحماية المستقبلية للبيئة والأجيال القادمة.

وأن ينظر إلى الأمر بعيدا عما يدور حاليا من اطلاق فكرة المسئولية التاريخية للعدالة المناخية و التي تزعمتها بالفعل الدول المتقدمة ،والتي تحملت قسطا كبيرا من هذه المسئولية، إلا أن هذا الحماس قد تراجع و بدأت المناداة بمسئولية دول وعوامل أخرى مما شتت الجهود و أضعف العزيمة و توقفت التحركات ،وغابت ملامح الأمل في تحقيق او إنفاذ هذه العدالة التي لا ينبغي الالتفات عنها، حيث أنها لا تقدم فقط حلا لمشكلة التغير المناخي، وإنما ترسم طريقا لمعرفة أسباب هذه المشكلة وكيفية توصل لحلولها وفقا لأسلوب شامل وعملي و سليم.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة