ماذا لو تكررت موجة حر 1976 اليوم؟ دراسة تكشف كيف غيّر التغير المناخي قواعد الطقس
من 32 إلى 35 درجة مئوية لأسبوعين متواصلين.. كيف غيّر الاحترار العالمي موجات الحر؟
في صيف عام 1976، شهدت المملكة المتحدة واحدة من أكثر موجات الحر والجفاف استثنائية في تاريخها الحديث.
فقد استمرت درجات الحرارة فوق 32 درجة مئوية لمدة 15 يومًا متتالية، في حدث غير مسبوق آنذاك، تزامن مع جفاف طويل أدى إلى نقص حاد في المياه واندلاع حرائق واسعة النطاق، قبل أن تنتهي الأزمة بفيضانات مفاجئة.
لكن بعد مرور نصف قرن تقريبًا، تغيّر المناخ العالمي بصورة جذرية. واليوم يتساءل العلماء: ماذا لو تكررت الظروف الجوية نفسها التي صنعت موجة حر 1976، ولكن في عالم ارتفعت حرارته بالفعل بفعل التغير المناخي؟
دراسة حديثة نشرتها منصة “The Conversation” تقدم إجابة مثيرة للقلق، إذ تشير إلى أن إعادة حدوث موجة الحر نفسها في مناخ اليوم ستجعلها أكثر شدة وخطورة بكثير، مع درجات حرارة أعلى، وأضرار صحية واقتصادية أوسع نطاقًا.
عالم أكثر حرارة من أي وقت مضى
منذ سبعينيات القرن الماضي ارتفع متوسط درجة حرارة الأرض بنحو درجة مئوية كاملة، وهو تغير يبدو محدودًا ظاهريًا، لكنه أحدث تحولًا هائلًا في طبيعة الظواهر الجوية المتطرفة.
ويؤكد الباحثون أن صيف عام 2025 كان بالفعل أكثر حرارة من صيف 1976 في المملكة المتحدة، رغم أنه شهد ثلاث موجات حر قصيرة نسبيًا بدلًا من موجة طويلة متصلة.
وعند النظر إلى الصورة العالمية، يصبح الفارق أكثر وضوحًا. ففي عام 1976 كانت أوروبا الشمالية الغربية تمثل بقعة ساخنة معزولة وسط عالم أكثر برودة نسبيًا، أما في عام 2025 فقد غطت درجات الحرارة المرتفعة معظم أنحاء العالم، وسُجلت أرقام قياسية غير مسبوقة في العديد من المناطق.
ويرى العلماء أن هذا التحول يؤكد أن المناخ الذي عرفه العالم قبل 50 عامًا لم يعد موجودًا.
موجة حر 1976 ستكون أشد بثلاث درجات اليوم

اعتمد الباحثون على إعادة بناء سيناريو موجة حر 1976 باستخدام الظروف المناخية الحالية، لمعرفة كيف ستبدو لو تكررت الآن.
وأظهرت النتائج أن الزيادة العالمية البالغة درجة مئوية واحدة لا تعني ببساطة ارتفاع الحرارة بالمقدار نفسه أثناء موجات الحر، بل إن درجات الحرارة القصوى ترتفع بوتيرة أسرع بكثير من المتوسط العالمي.
ففي جنوب إنجلترا على سبيل المثال، أصبحت موجات الحر الحالية أكثر سخونة بما يتراوح بين 3 و4 درجات مئوية مقارنة بما كانت عليه في ستينيات القرن الماضي.
وبناءً على ذلك، فإن موجة الحر التاريخية لعام 1976 كانت ستشهد اليوم درجات حرارة قصوى تتراوح بين 38 و39 درجة مئوية بدلًا من 35 أو 36 درجة آنذاك.
كما أن الأيام الـ15 المتتالية التي تجاوزت فيها الحرارة 32 درجة مئوية كانت ستتحول إلى 15 يومًا متواصلة فوق 35 درجة مئوية، وهو أمر لم تشهده بريطانيا من قبل.
ويشير الباحثون إلى أن المملكة المتحدة سجلت في تاريخها الحديث ثلاث أيام فقط متتالية تجاوزت خلالها الحرارة 35 درجة مئوية، ما يعكس مدى استثنائية مثل هذا السيناريو.
الليالي الحارة تضاعف المخاطر الصحية
لا يقتصر الخطر على درجات الحرارة النهارية المرتفعة، بل يمتد إلى الليالي التي تصبح أكثر دفئًا بشكل غير مسبوق.
فعندما تبقى درجات الحرارة مرتفعة أثناء الليل، يفقد الجسم فرصة التعافي من الإجهاد الحراري الذي تعرض له خلال النهار، ما يزيد مخاطر الإصابة بأمراض القلب والجهاز التنفسي وضربات الشمس والجفاف.
وتحذر الدراسة من أن موجات الحر الحديثة يمكن أن تتحول إلى أزمة صحية واسعة النطاق، خصوصًا بين كبار السن والأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة، لكنها تؤثر أيضًا على الأشخاص الأصحاء من خلال انخفاض الإنتاجية والإرهاق واضطرابات النوم.

بنية تحتية صُممت لمناخ لم يعد موجودًا
ترى الدراسة أن إحدى أكبر المشكلات تكمن في أن البنية التحتية البريطانية ما زالت مصممة لتناسب مناخ القرن الماضي.
فالطرق وخطوط السكك الحديدية والمباني والمدارس والمستشفيات لم تُبنَ للتعامل مع درجات حرارة تقترب من 40 درجة مئوية.
وقد ظهرت مؤشرات ذلك بالفعل خلال موجات الحر الأخيرة، حيث شهدت شبكات النقل اضطرابات متكررة، وتأثرت الخدمات العامة بسبب الإجهاد الحراري.
ويطرح الباحثون أمثلة واقعية توضح حجم التحدي:
– طلاب يؤدون امتحاناتهم داخل قاعات شديدة الحرارة.
– مرضى يحاولون التعافي داخل أجنحة مستشفيات تفتقر إلى التبريد الكافي.
– موظفون يعملون في مبانٍ غير مكيفة تنخفض فيها الإنتاجية بشكل كبير.
– رياضيون ومشجعون يواجهون ظروفًا قد تصبح خطرة أثناء ممارسة الأنشطة الخارجية.
صيف 2026 يؤكد الاتجاه التصاعدي
تشير الدراسة إلى أن بريطانيا شهدت بالفعل في مايو 2026 درجة حرارة قياسية بلغت 35.1 درجة مئوية، محطمّة الرقم القياسي السابق لشهر مايو.
ويرى العلماء أن هذه الأرقام لم تعد أحداثًا استثنائية نادرة، بل أصبحت جزءًا من اتجاه طويل الأمد نحو صيف أكثر سخونة وتطرفًا.
ويؤكد الباحثون أن كل موجة حر تحدث حاليًا أصبحت أكثر شدة بسبب انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة أساسًا عن حرق الفحم والنفط والغاز.
هل يمكن أن تصل الحرارة إلى 45 درجة مئوية؟
النماذج المناخية التي أعدها مكتب الأرصاد الجوية البريطاني (Met Office) ترسم صورة أكثر إثارة للقلق للمستقبل.
ففي حال استمرار الانبعاثات بالمعدلات الحالية، قد تشهد المملكة المتحدة خلال العقود الثلاثة المقبلة درجات حرارة تصل إلى 45 درجة مئوية.
كما قد تصبح موجات الحر التي تتجاوز 40 درجة مئوية لأكثر من أسبوع كامل أمرًا ممكنًا في عالم ترتفع حرارته بمقدار 2.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
وحينها، بحسب الدراسة، قد يصبح نمط الحياة والمناخ البريطانيان مختلفين تمامًا عما عرفته الأجيال السابقة.

كيف سيتغير مفهوم “الصيف الطبيعي”؟
أحد أكثر الاستنتاجات لفتًا للانتباه في الدراسة يتعلق بتغير مفهوم “الطقس الطبيعي”.
فالأطفال الذين يولدون اليوم قد يعتبرون درجات الحرارة التي سادت خلال صيف 1976 مجرد طقس اعتيادي عندما يصبحون بالغين.
وعندما يصلون إلى مرحلة الشيخوخة، قد ينظرون إلى صيفي 1976 و2025 باعتبارهما صيفين باردين نسبيًا مقارنة بما سيعيشونه في المستقبل.
وهذا يعكس حقيقة علمية مهمة: المناخ لا يتغير فجأة، بل يعيد تدريجيًا تعريف ما نعتبره طبيعيًا ومألوفًا.

هل ما زال بالإمكان تجنب الأسوأ؟
رغم الصورة القاتمة، يؤكد الباحثون أن المستقبل لم يُحسم بعد، فخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتقليل الانبعاثات الكربونية، ووقف إزالة الغابات، واستعادة النظم البيئية الطبيعية، كلها خطوات يمكن أن تحد من شدة الاحترار العالمي.
لكن حتى في أفضل السيناريوهات، سيظل العالم أكثر حرارة مما كان عليه في عام 1976، ما يعني أن التكيف مع موجات الحر أصبح ضرورة لا خيارًا.
ويختتم العلماء تحذيرهم بالتأكيد على أن كل عام يتأخر فيه خفض الانبعاثات يعني مزيدًا من الحرارة ومزيدًا من الظواهر الجوية المتطرفة في المستقبل، وأن القرارات المتخذة اليوم ستحدد شكل الصيف الذي ستعيشه الأجيال القادمة لعقود طويلة.






Nourish your body from the inside.