د.معتز محمد أبوزيد: العدالة المناخية والجندر
قاض- محاضر مواد القانون العام - خبير تشريعات حقوق الإنسان
ظهرت في منتصف القرن الماضي العديد من النظريات و المدارس التي نظمت العلاقات الدولية ولعل من أحدث هذه النظريات هي النظرية البنائية والتي اعتمدت على دراسات الكائن البشري وبناء المعلومات للانسان بالتعليم و اكتساب طرق المعرفة وكيفية التعامل مع المجتمع المحيط والفعالية في فهم وحل المشكلات و أساليب التعلم والتي برزت من خلالها العديد من طرق التهيئة والتنشئة للأطفال وصغار السن والأجيال القادمة .
لاشك أن تطبيق هذه النظرية على عدة مستويات قد تفرعت عنها العديد من الاتجاهات منها المناداة بالحركة النسوية و التي كانت استجابة لدور المرأة الذي ظهرفي أدوار التنشئة و التعلم حيث بدأت بفكرة المساواة بين الجنسين بحكم ما استقر في وجدان الضمير الانساني من كفالة الحقوق والحريات لكل البشر دون تمييز أو أفضلية بسبب الجنس .
ومع تطور أفكار الحركة النسوية وما توازى معها من دراسات وما كشفه التنفيذ على أرض الواقع تبين أن مصطلح العدالة يتفق أكثر مع قضية النسوية من مصطلح المساواة وأن العدالة هي ضمان حقوق الرجال والنساء على حد سواء.
وفقا لما يتم تقريره لكل منهما مع مراعاة الفروق بين الجنسين والتي قد تؤدي المساواة المغمضة العينين الى الاضرار بهذه الفروق وعدم الوصول الى أهداف القضية النسوية ، ولما كانت فكرة العدالة تستقر على أسس الفروق بين الجنسين وهو ما يجب اعتباره عند الحديث عن ضمان حقوق الجنسين.
وأهم هذه الفروق هو الفارق البيولوجي و الذي يرتبط بوظائف لا يمكن الفكاك منها أو تغييرها ومن ثم بدأ النظر لأفكار العدالة والمساواة بمنظور النوع الاجتماعي أو الجندر أي خارج الاطار البيولوجي وهو ما يسمح بتقرير نظام أكثر وضوحا من العدالة والمساواة بين الجنسين والنظر الى الانسان كمخلوق اجتماعي بعيدا عن الفروق و الوظائف البيولوجية .
تمثل أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة خارطة طريق في العديد من المجالات التي ترتبط بتحسين جودة الحياة و الحفاظ على حقوق الانسان و تنمية الموارد الاقتصادية ومواجهة ما يتعرض له كوكب الأرض من أخطار من خلال سبعة عشر هدفا كان من أهمها تحقيق المساواة بين الجنسين وكذلك مواجهة أضرار التغير المناخي ، وقد سارت مصر على درب استراتيجية محددة لتحقيق التنمية المستدامة حتى عام 2030 ادراكا لأهمية هذه الأهداف وسعيا لتحقيقها من خلال العمل على مجالي تمكين المرأة و المساواة بين الجنسين و مواجهة أخطار التغير المناخي .
وقد كشفت الدراسات عن أن هذين الهدفين ليسا فقط على قدر كبير من الاهمية و انما على قدر كبير من التلاحم و التأثير المتبادل بحيث تبين أنهما من أول و أهم أسس التنمية المستدامة ، فمن ناحية تعتبر المرأة شريك اساسي متناصف في الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية لأي مجتمع وفقا لفكرة الجندر او النوع الاجتماعي ، وعلى جانب آخر فهي من قبيل المساواة مع الرجل أو حتى في نطاق العمل المنزلي والوظائف الانجابية البيولوجية تبين أن المرأة تلعب بذلك دورا كبيرا في ملف التغير البيولوجي والحفاظ على التنوع البيولوجي ومواجهة أخطار الانبعاثات و الغازات الكربونية ومن ثم يعتبر العمل على تمكين المرأة حلقة وصل بين ما تحدثه من تأثير داخل الأسرة من تغيير السلوك واداء دورها الحيوي داخل الأسرة و الحفاظ على البيئة ومواردها ومعالجة ما يهددها من أخطار .
ومن ناحية أخرى و لما كان التعاون العالمي لنشر و الاتفاق حول مفاهيم التغير المناخي وعلاقة ذلك بأدوار المرأة في المجتمع والتي تبين أنها تخرج عن نطاق المساواة و العدالة من منظور الجندر أو النوع الاجتماعي الى الاتصال بقضايا العدال المناخية و من أهمها المسئولية التشاركية وارتباط أفكار العدالة المناخية بحقوق الانسان وهو ما يتطلب توحيد الجهود في مواجهته الأضرار المناخية التي تلحق بالنساء حيث التدهـور البيئـي التدريجـي المرتبـط بتغيـر المنـاخ، مثـل التصحـر، إلـى نشـوء أوضـاع قـد تـؤدي إلـى النــزوح مــن الأراضــي القاحلــة وغيــر الصالحــة للســكن , وما يستتبع ذلك من اجراءات قانونية مثل اثبات الجنسية وإجراءات اللجوء وهو ما تتحمل فيه المرأة عبئا كبيرة نظرا لما يرتبط بها من وظائف التنشئة و التربية والارتباط والحضانة للأطفال .
وعلى جانب آخر فانه بالنسبة للمرأة العاملة و خاصة في الأراضي الزراعية و التي قد لا تحظى فيها العاملات بالحماية القانونية اللازمة فانها بحكم الارتباط في العمل بهذه الأماكن فهي تعد من الأشخاص المعرضين لمشكلات ارتفــاع مســتوى ســطح البحــر إلــى زيــادة الفيضانــات الســاحلية والتعريــة وتملــح التربــة و مصادر المياه و الري وخطــر الســيول الدائمــة فــي المناطــق المنخفضــة .
ومشكلات المبيدات والأسمدة والتي هي في الأصل مواد كيميائية قد تضر مستخدميها المتعرضين لها دون أخذ الاحتياطات اللازمة فضلا عما تواجهه هذه المجتمعــات من تأثيــرات واســعة النطــاق تمــس صحتهــا وســبل عيشــها مــن خــلال فقــدان الغــذاء والميــاه ً مــا تكــون القــدرة علــى الصمــود فــي والأراضــي والمــوارد الطبيعيــة الأخــرى الضروريــة للبقــاء والرفــاه والتي هي من أهم أهداف اأمم المتحدة للتنمية المستدامة .
ومما لا شك فيه كذلك أن قلة أو محدودية الوظائف التي قد تشغلها المراة كعمل لائق وفقا لمؤهلاتها فضلا عن زيادة حالات التسرب من التعليم للفتيات يلزم المرأة بشكل أو بآخر الى البقاء مدد أطول في المنازل مما يجعلها من الصفوف الأولى التي لا تملك العديد من وسائل التعامل و الخروج من الكـوارث غالبا ترتبط بالمنـاخ والتدهـور البيئـي والنـزوح فـي أدنـى مسـتوياتها فـي المناطـق الهشـة والمتأثــرة بالصــر التي قد تــؤدي ً لتأثيــرات تغيــر المنــاخ، والكــوارث المفاجئــة والبطيئــة ، وهو ما يستدعي العمل على تفعيل مجالات العدالة المناخية بشأن تلك الحالات.
والتي تبين أنه وفقا لقضايا الجندر او النوع الاجتماعي فان استبعاد الوظائف البيولوجية ليس بكاف لعرض قضايا الجندر والتعامل معها الا ان قواعد العدالة تقضي الى مراجعة أفكار المساواة بين الرجال والنساء وضمان وحماية فئات النساء التي وان كانت ادوارهن الاجتماعية قد تفرض عليهم مواجهة أكبر لقضايا التغير المناخي فهو ما يتطلب من جانب آخر نطاقات حماية أوسع سواء اعمال للماسواة أو اعمالا لقواعد العدالة .





