وجهات نظر

د.فوزي يونس: عصر الغابات الفضائية.. دورها في رصد احتجاز الكربون

أستاذ ورئيس وحدة فسيولوجيا الأقلمة بمركز بحوث الصحراء- استشاري البصمة الكربونية والاستدامة

يمكننا استعراض عصر الغابات الفضائية ودورها في رصد احتجاز الكربون وتعزيز أهداف التنمية المستدامة إقليميًا ودوليا من خلال السطور القادمة.

فيشهد العالم اليوم ما يمكن تسميته بـ”عصر الغابات الفضائية” وهو مصطلح يعبر عن تطور استخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد والأقمار الصناعية عالية الدقة والطائرات بدون طيار (الدرونز) في مراقبة الغطاء الحرجي العالمي.

تلعب هذه التقنيات دورا حاسمًا في رصد قدرة الغابات على احتجاز الكربون أحد أهم الغازات المسببة للاحتباس الحراري مما يسهم مباشرة في جهود التصدي لتغير المناخ.

هذا ويجب الأخذ في الاعتبار النقاط التالية:

1. دور الغابات في احتجاز الكربون:

تُعد الغابات خاصة الغابات الاستوائية والمعتدلة من أكبر مخازن الكربون الطبيعية. باستخدام البيانات الفضائية، يمكن قياس:

كمية الكتلة الحيوية فوق سطح الأرض.

معدلات نمو أو فقدان الغابات (إزالة الغابات أو إعادة تشجيرها).

التغيرات الموسمية في امتصاص الكربون.

هذه المعلومات تمكن الدول والمنظمات من وضع سياسات دقيقة لتعزيز برامج خفض الانبعاثات مثل مبادرة REDD+.

2. تأثير الغابات على معدلات تساقط الأمطار:

أظهرت دراسات حديثة أن الغابات الكبيرة تساهم في تكوين ما يعرف بـ”مضخات الرطوبة” حيث:

تطلق النباتات الرطوبة إلى الغلاف الجوي عبر عملية النتح.

تساهم في تشكيل السحب وزيادة معدلات هطول الأمطار محليا وإقليميا.

تساعد على استقرار المناخ المحلي مما يعزز الأمن المائي والغذائي.

3. التنوع البيولوجي وأثره:

الغابات هي موائل لملايين الأنواع النباتية والحيوانية. التقنيات الفضائية تتيح:

مراقبة التغيرات في تنوع الأنواع.

الكشف المبكر عن تهديدات مثل إزالة الغابات، الحرائق، وانتشار الأمراض.

دعم جهود الحفظ من خلال تحديد المناطق ذات الأهمية البيولوجية الكبرى.

تطور استخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد والأقمار الصناعية عالية الدقة

4. انعكاسات عصر الغابات الفضائية على تعزيز أهداف التنمية المستدامة (SDGs):

* الهدف 13: العمل المناخي عبر تحسين الرصد والتخطيط لخفض الكربون.

* الهدف 15: الحياة في البر من خلال حماية الغابات والتنوع البيولوجي.

* الهدف 6: المياه النظيفة والصرف الصحي عبر استدامة دورة المياه الطبيعية.

* الهدف 2: القضاء على الجوع عبر حماية الغابات التي تدعم الزراعة المحلية.

إنعكاس ما سبق علي تعزيز أهداف التنمية المستدامة محليا ودوليا:

إقليميا: تتيح هذه التقنيات للدول النامية رصد غاباتها بدقة وبتكلفة أقل مما يمكنها من إثبات التزاماتها البيئية في الاتفاقيات الدولية والمطالبة بتمويل مقابل خدمات النظم الإيكولوجية التي تقدمها.

دوليا: تدعم البيانات الفضائية التعاون بين الدول في إدارة الغابات العابرة للحدود وتعزيز برامج إعادة التشجير العالمي.

استعراض لأمثلة حديثة بارزة على المبادرات والمشاريع التي تجسد “عصر الغابات الفضائية” وتستخدم حاليا على نطاق عالمي لرصد الغابات وتعزيز جهود احتجاز الكربون:

تطور استخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد والأقمار الصناعية عالية الدقة

1. مبادرة Global Forest Watch (GFW)

الجهة المنفذة: معهد الموارد العالمية (WRI).

الوصف: منصة تفاعلية مجانية تستخدم بيانات الأقمار الصناعية لمراقبة التغيرات في الغطاء الحرجي العالمي شبه لحظيًا.

الاستخدام: تمكن الحكومات والمجتمع المدني من تتبع إزالة الغابات – التوسع العمراني والحرائق.

مثال تطبيقي: رصد إزالة غابات الأمازون في البرازيل بدقة ساعد في اتخاذ قرارات سياسية دولية.

2. مهمة GEDI – Global Ecosystem Dynamics Investigation (ناسا)

الجهة المنفذة: وكالة ناسا بالشراكة مع جامعة ميريلاند.

الوصف: أداة ليزر ثلاثية الأبعاد مثبتة على محطة الفضاء الدولية لرسم خرائط دقيقة للكتلة الحيوية للغابات.

الأهمية: تقيس ارتفاع الأشجار وكثافتها مما يعطي تقديرا دقيقا لمخزون الكربون.

الهدف: تحسين نماذج الكربون الأرضي وفهم ديناميكيات النظام البيئي.

3. مبادرة One Map Indonesia

الجهة المنفذة: الحكومة الإندونيسية بالتعاون مع جهات دولية.

الوصف: تستخدم بيانات فضائية موحدة لرسم خريطة استخدام الأراضي والغابات بهدف خفض النزاعات وتحسين الإدارة.

الأثر البيئي: دعمت جهود إندونيسيا في REDD+ وقللت من إزالة الغابات بنسبة ملحوظة.

تطور استخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد والأقمار الصناعية عالية الدقة

4. منصة NICFI – صور الأقمار الصناعية المجانية للغابات الاستوائية

الجهة المنفذة: مبادرة من الحكومة النرويجية بالشراكة مع Planet Labs.

الوصف: توفر صور شهرية عالية الدقة تغطي الغابات الاستوائية عالميًا مجانًا للدول والباحثين.

الهدف: دعم الشفافية وتعزيز المراقبة البيئية في الوقت الحقيقي.

5. مشروع Africover التابع لـ FAO (في إفريقيا)

الوصف: مبادرة لرسم خرائط الغطاء النباتي والزراعي في إفريقيا باستخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد.

الدور: دعم الدول الإفريقية في التخطيط البيئي مكافحة التصحر، والتخطيط لإعادة التشجير.

وختاما يمكننا القول بأن عصر الغابات الفضائية يمثل نقلة نوعية في إدارة النظم البيئية، حيث أصبح بالإمكان مراقبة الغابات بدقة غير مسبوقة وتقييم أدائها البيئي بشكل لحظي. لقد مكّن هذا التقدم التكنولوجي من فهم أعمق لدور الغابات في احتجاز الكربون وتوليد الأمطار والحفاظ على التنوع البيولوجي.

وتنعكس هذه القدرات بشكل مباشر على تقدير الكتلة الحيوية (Biomass) التي تُعد المؤشر الأهم لكمية الكربون المخزن في النباتات، فباستخدام بيانات الأقمار الصناعية مثل تلك المنتجة من مهمة GEDI وGlobal Forest Watch، أصبح بالإمكان:

تقدير الكتلة الحيوية فوق سطح الأرض بدقة وتحديد المناطق ذات الإمكانيات العالية لعزل الكربون. وكذلك دعم قرارات التشجير وإعادة تأهيل الغابات بناءً على بيانات علمية.

وبالتالي فإن هذا التطور لا يعزز فقط المراقبة البيئية الذكية بل يسهم فعليا في تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة لاسيما الأهداف المتعلقة بالمناخ الحياة على الأرض والمياه على المستويين الإقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading