تكاليف إطلاق الصواريخ قد تنخفض 90% بحلول 2040
الفضاء يقترب من التحول إلى اقتصاد عالمي مع تراجع تكاليف الإطلاق
لطالما كانت تكلفة إرسال أي حمولة إلى الفضاء مرتفعة للغاية، إذ كان كل كيلوغرام إضافي يعني تكلفة كبيرة، ما حدّ من قدرة الدول والشركات على تنفيذ مهام فضائية، غير أن هذا الواقع قد يتغير بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا.
تشير دراسة حديثة إلى أن تكلفة الوصول إلى المدار مرشحة لانخفاض كبير خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة.
نُشرت الدراسة في دورية PNAS Nexus ، وإذا تحققت هذه التوقعات، فقد يتحول الفضاء إلى بيئة مفتوحة أمام الشركات لإنتاج سلع جديدة، وإجراء تجارب علمية، وخلق صناعات غير مسبوقة.
لم يعد الفضاء حكرًا على الحكومات أو عدد محدود من الشركات الكبرى، وجد الباحثون أن تكلفة إرسال كيلوغرام واحد إلى المدار الأرضي المنخفض بلغت في المتوسط نحو 3868 دولارًا في عام 2025.
ومن المتوقع أن تنخفض هذه التكلفة بنسبة تزيد على 58% لتصل إلى 1569 دولارًا بحلول عام 2030، ثم إلى نحو 273 دولارًا فقط بحلول عام 2040.
واعتمدت هذه التقديرات على تحليل أكبر قاعدة بيانات عالمية لعمليات إطلاق الصواريخ، والتي تضم أكثر من 4400 عملية إطلاق بين عامي 1960 و2025، كما أظهرت الدراسة أن تكاليف الإطلاق انخفضت بنحو 96% منذ عام 1960.
قاد البحث الدكتور أليسيو تيرزي من كلية بينيت للسياسات العامة بجامعة كامبريدج، بالتعاون مع الدكتور فرانشيسكو نيكولي من معهد البوليتكنيك في تورينو.
سوقًا اقتصاديًا يتوسع مع تراجع التكاليف
وأوضح الباحثون، أن الفضاء لم يعد مجرد مجال علمي أو خيال مستقبلي، بل أصبح سوقًا اقتصاديًا يتوسع مع تراجع التكاليف وزيادة الاستثمارات.
وكما ساهمت وسائل النقل مثل السكك الحديدية والطيران التجاري في توسيع الأسواق عبر خفض التكاليف، قد يشهد قطاع الفضاء تحولًا مشابهًا.
ومنذ عام 2020، شهدت صناعة الفضاء نموًا سريعًا، مدفوعًا بالطلب المتزايد على إطلاق الأقمار الصناعية لأغراض الاتصالات والملاحة والتنبؤات الجوية ومراقبة الأرض.
وارتفعت الكتلة الإجمالية للحمولات المرسلة إلى المدار بنسبة 31% سنويًا منذ عام 2020، مقارنة بمتوسط 4% فقط بين عامي 2000 و2019.
وبلغ إجمالي الحمولة المرسلة إلى المدار نحو 4900 طن في عام 2025، مع توقعات بوصولها إلى 9100 طن سنويًا بحلول 2030.
وفي عام 2024، تجاوزت قيمة اقتصاد الفضاء 600 مليار دولار، وهو رقم يقارب حجم اقتصاد دولة مثل السويد.
وأشار الباحثون إلى أن شركة سبيس إكس قد تحقق جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة من خلال صاروخها الجديد “ستارشيب” القابل لإعادة الاستخدام بالكامل.
كما توقعوا أن تصل القدرة السنوية لإطلاق الحمولات إلى 32 ألف طن بحلول عام 2040.
تكاليف إطلاق الصواريخ تنخفض بوتيرة أسرع

وكشفت الدراسة عن نمط واضح، حيث تنخفض تكلفة الإطلاق بنسبة 21.2% في كل مرة يتضاعف فيها إجمالي الحمولة المرسلة إلى الفضاء.
وقارن الباحثون هذا الاتجاه بثورة السفن البخارية في القرن التاسع عشر، التي شهدت انخفاضًا في تكاليف النقل مع زيادة حجم التجارة العالمية.
وأظهرت النتائج أن تكاليف إطلاق الصواريخ تنخفض بوتيرة أسرع من تلك التي شهدتها واحدة من أكبر ثورات النقل في التاريخ.
كما تبين أن انخفاض التكاليف تسارع بعد نهاية الحرب الباردة، بفضل التعاون الدولي ودور القطاع الخاص.
ومن المتوقع أن يسهم هذا الانخفاض في دعم أنشطة يصعب تنفيذها حاليًا، مثل تصنيع الألياف الضوئية المتقدمة، وإنتاج الأدوية، وطباعة الأنسجة الحيوية في بيئة انعدام الجاذبية.
كما قد يفتح المجال أمام مشاريع مستقبلية مثل توليد الطاقة الشمسية في الفضاء، والتعدين من الكويكبات، وبناء اقتصاد فضائي متكامل.
ويرى الباحثون أن بعض الصناعات الملوِّثة على الأرض قد تُنقل مستقبلًا إلى خارج الغلاف الجوي.
ورغم هذه التوقعات، يحذر الباحثون من أن استمرار انخفاض التكاليف ليس مضمونًا، خاصة إذا تركزت خدمات الإطلاق في يد عدد محدود من الشركات أو تأثرت المنافسة بالتوترات الجيوسياسية.
ومع ذلك، تشير الاتجاهات الحالية إلى أن تكلفة الوصول إلى الفضاء ستواصل الانخفاض، ما يمهد الطريق أمام تحول اقتصادي كبير في هذا القطاع.





