وجهات نظر

د.رفعت جبر: من الصين إلى غزة.. كيف تؤجج الحروب أزمة المناخ وتفاقم الكوارث؟

رئيس قسم التقنية الحيوية كلية العلوم- جامعة القاهرة

إن فهم العلاقة بين تغير المناخ والاقتصاد والحروب بات أكثر إلحاحًا في ظل الأوضاع الجيوسياسية الراهنة، لا سيما عند النظر إلى اقتصاد الصين، وحرب روسيا وأوكرانيا، والحرب في غزة. فكل من هذه العوامل يتفاعل مع الآخر بطريقة معقدة، ما يضيف مزيدًا من التعقيد إلى المشهد العالمي.

العلاقة المتشابكة بين المناخ والاقتصاد والحروب

تُعد العلاقة بين تغير المناخ والاقتصاد والحروب علاقة متعددة الأوجه، حيث يؤثر كل عنصر على الآخر بدرجة كبيرة، مما يخلق حلقة مفرغة من التحديات المتشابكة.

أولًا: تأثير تغير المناخ على الاقتصاد العالمي

يتوقع أن يتسبب تغير المناخ في خسائر اقتصادية جسيمة على المستوى العالمي. وتشير دراسات إلى أن الاقتصاد العالمي قد يفقد نحو 20% من ناتجه المحلي الإجمالي بحلول عام 2050، بغض النظر عن الجهود المبذولة لخفض الانبعاثات. وتشمل التأثيرات الرئيسية:

ثانيًا: تغير المناخ والحروب والصراعات

لا يتسبب تغير المناخ مباشرة في اندلاع الحروب، لكنه يضاعف من فرص نشوب الصراعات عبر تفاعله مع عوامل توتر قائمة، مثل:

ثالثًا: الحروب وتفاقم أزمة المناخ

لا يقتصر التأثير على كون المناخ سببًا في تأجيج الأزمات، بل إن الحروب نفسها تساهم في تفاقم أزمة المناخ من خلال:

الصين: قوة اقتصادية ومناخية في مفترق الطرق

تُعد الصين أكبر مصدر للانبعاثات الكربونية عالميًا، وفي الوقت ذاته من أكثر الدول تأثرًا بتداعيات تغير المناخ.

تحديات المناخ أمام الاقتصاد الصيني:

  • الزراعة والأمن الغذائي: يتأثر الإنتاج الزراعي سلبًا نتيجة ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والفيضانات. وتشير التقديرات إلى احتمال انخفاض غلة الأرز بنسبة 2-16%، والقمح بنسبة 3-19% بحلول نهاية القرن، مما يهدد الأمن الغذائي لـ1.4 مليار نسمة.

  • موارد المياه: يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم أزمة المياه من خلال الجفاف والفيضانات الشديدة، مما ينعكس سلبًا على قطاعات الزراعة والصناعة والاستهلاك.

  • الكوارث الطبيعية: تتعرض الصين لفيضانات وعواصف متزايدة تكرارًا وشدة، ما يسبب خسائر اقتصادية ضخمة.

  • الهشاشة الاجتماعية: تتضرر المجتمعات الفقيرة في المناطق الهشة، ما يؤدي إلى ازدياد معدلات الفقر.

جهود الصين المناخية:

تسعى الصين إلى الحد من الانبعاثات، حيث أعلنت نيتها بلوغ ذروة الانبعاثات بحلول عام 2030، وخفض الانبعاثات لكل وحدة من الناتج المحلي بنسبة 60-65% عن مستويات 2005، من خلال خطط خمسية تركز على الحلول المترابطة لتغير المناخ وتلوث الهواء.

الحرب في أوكرانيا: أزمة عالمية متعددة الأوجه

تمثل الحرب بين روسيا وأوكرانيا نموذجًا واقعيًا لتأثير الحروب على المناخ والاقتصاد العالمي.

التأثير الاقتصادي:

التأثير المناخي:

  • زيادة الانبعاثات: تؤدي العمليات العسكرية إلى استهلاك ضخم للوقود الأحفوري، يرافقه تدمير بيئي واسع.

  • تراجع الالتزام المناخي: دفعت الأزمة دولًا أوروبية للعودة مؤقتًا إلى مصادر الطاقة الملوثة.

  • تدمير البيئة الأوكرانية: دُمّرت الأراضي الزراعية والغابات والبنية البيئية في مناطق واسعة، مما قلل من قدرة النظم البيئية على امتصاص الكربون.

غزة: صراع محلي بتأثيرات عالمية

رغم أن الحرب في غزة تُعد إقليمية، فإن آثارها تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، لتشمل جوانب بيئية واقتصادية وإنسانية خطيرة.

التأثير الاقتصادي والاجتماعي:

  • دمار واسع للبنية التحتية: طالت الحرب المستشفيات والمدارس وقطاع الخدمات، مما أدى إلى تدهور حاد في الناتج المحلي وارتفاع غير مسبوق في البطالة.

  • أزمة غذاء ومياه: فُقدت معظم الأراضي الزراعية، وتعرضت آبار المياه للتدمير، وارتفعت مخاطر المجاعة والتسمم المائي.

التأثير البيئي:

  • الانبعاثات الناتجة عن الدمار: تشير تقديرات إلى أن إعادة إعمار غزة قد تكلف الكوكب 31 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون.

  • تلوث شامل: تعرضت التربة والهواء والمياه لتلوث كيميائي خطير نتيجة الأسلحة ومياه الصرف غير المعالجة.

  • خسائر في التنوع البيولوجي: أسفرت العمليات العسكرية عن تدمير الغطاء النباتي والكائنات المحلية.

الروابط بين المناخ والصراعات: دوامة متصلة

ليست هذه الأحداث منفصلة، بل تؤثر وتتأثر ببعضها البعض:

  • أزمة الطاقة والغذاء: تؤدي حرب أوكرانيا إلى مضاعفة الأسعار، مما يضغط على دول كالصين التي تسعى لتأمين مواردها.

  • تحويل الموارد: تُصرف الموارد بعيدًا عن الطاقة المتجددة والتكيف المناخي باتجاه التسليح والدفاع.

  • هشاشة متزايدة: تؤدي الصراعات إلى إضعاف النسيج الاقتصادي والاجتماعي، مما يزيد من تعرض المناطق للكارثة المناخية.

  • شلل في التعاون الدولي: تتسبب النزاعات الكبرى في تعطيل التنسيق العالمي حول المناخ.

الخلاصة

تُظهر هذه الحالات بجلاء أن تغير المناخ ليس مجرد قضية بيئية، بل هو أزمة شاملة تطال الأمن والاقتصاد والسلام. في المقابل، تؤدي الحروب إلى تفاقم الانبعاثات وتدمير الأنظمة البيئية. والحل لا يكمن في معالجة هذه القضايا بمعزل عن بعضها، بل من خلال مقاربة دولية شاملة تدمج بين العمل المناخي، وبناء السلام، وتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading